| - الآيات المكية في السور المدنية: لا يُقصد بوصف السورة بأنها مكية أو مدنية أنها بأجمعها كذلك، فقد يكون في المكية بعض السور المدنية، وقد يكون في المدنية بعض السور المكية، ولكنه وصف أغلبي حسب أكثر آياتها، ولذا يأتي في التسمية: سورة كذا مكية إلا آية كذا فإنها مدنية، وسورة كذا مدنية إلا آية كذا فإنها مكية ـ كما نجد ذلك في المصاحف.
ومن أمثلة الآيات المكية في السور المدنية " سورة الأنفال " مدنية، واستثنى منها كثير من العلماء قوله تعالى: { وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُواْ لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللّهُ وَاللّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ }[الأنفال:30] قال مقاتل في هذه الآية: نزلت بمكة، وظاهرها كذلك، لأنها تضمنت ما كان من المشركين في دار الندوة عند تآمرهم على رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل الهجرة، واستثنى بعضهم كذلك: { يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ }[الأنفال:64]، لما أخرجه البزَّار عن ابن عباس أنها نزلت لما أسلم عمر بن الخطاب رضي الله عنه.
5- الآيات المدنية في السور المكية: ومن أمثلة الآيات المدنية في السور المكية "سورة الأنعام" قال ابن عباس: نزلت بمكة جملة واحدة، فهي مكية إلا ثلاث آيات منها نزلت بالمدينة: { قُلْ تَعَالَوْاْ أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلاَّ تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئاً وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً وَلاَ تَقْتُلُواْ أَوْلاَدَكُم مِّنْ إمْلاَقٍ نَّحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ وَلاَ تَقْرَبُواْ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَلاَ تَقْتُلُواْ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللّهُ إِلاَّ بِالْحَقِّ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ * وَلاَ تَقْرَبُواْ مَالَ الْيَتِيمِ إِلاَّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ وَأَوْفُواْ الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ لاَ نُكَلِّفُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُواْ وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى وَبِعَهْدِ اللّهِ أَوْفُواْ ذَلِكُمْ وَصَّاكُم بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ * وَأَنَّ هَـذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلاَ تَتَّبِعُواْ السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُم بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ }[الأنعام:151-153]، و"سورة الحج" مكية سوى ثلاث آيات نزلت بالمدينة، من أول قوله تعالى: { هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ }[الحج: 19].
6- مانزل بمكة وحكمه مدنى: ويمثلون له بقوله تعالى: { يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ }[الحجرات: 13] فإنها نزلت بمكة يوم الفتح، وهي مدنية لأنها أُنزلت بعد الهجرة، والخطاب فيها عام، ومثل هذا لا يسميه العلماء مكيا، كما لا يسمونه مدنياً على وجه التعيين، بل يقولون فيه: ما نزل بمكة وحكمه مدني.
7- ما نزل بالمدينة وحكمه مكى: ويمثلون له بسورة الممتحنة، فإنها نزلت بالمدينة، فهي مدنية باعتبار المكان، ولكن الخطاب في ثناياها توَّجه إلى مشركي أهل مكة .. ومثل هذا صدر سورة " براءة " نزل بالمدينة، والخطاب فيه لمشركي أهل مكة.
8- ما يُشبه نزول المكى في المدني: ويعنى العلماء به ما كان في السور المدنية من آيات جاء أسلوبها في خصائصه وطابعه العام على نمط السور المكية، ومن أمثلته قوله تعالى في سورة الأنفال ـ وهي مدنية: { وَإِذْ قَالُواْ اللَّهُمَّ إِن كَانَ هَـذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِندِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِّنَ السَّمَاءِ أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ }[الأنفال:32] فإن استعجال المشركين للعذاب كان بمكة.
9- ما يُشبه نزول المدني في المكي: ويعنى العلماء به ما يقابل النوع السابق، ويمثلون له بقوله تعالى في سورة النجم: { الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلَّا اللَّمَمَ }[النجم:32].. قال السيوطي: فإن الفواحش كل ذنب فيه حد، والكبائر كل ذنب عاقبته النار، و اللَّمَمَ ما بين الحدين من الذنوب، ولم يكن بمكة حد ولا نحوه(3).
10- ما حُمِلَ من مكة إلى المدينة: ومن أمثلته سورة { سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى }[الأعلى:1]، أخرج البخارى عن البراء بن عازب قال: " أول من قدم علينا من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم: مصعب بن عمير، وابن أم مكتوم، فجعلا يقرئاننا القرآن، ثم جاء عمار وبلال وسعد، ثم جاء عمر بن الخطاب في عشرين، ثم جاء النبي صلى الله عليه وسلم، فما رأيت أهل المدينة فرحوا بشيء فرحهم به، فما جاء حتى قرأتُ: "{ سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى } في سور مثلها "، وهذا المعنى يصدق على كل ما حمله المهاجرون من القرآن وعلَّموه الأنصار.
11- ما حُمِلَ من المدينة إلى مكة: ومن أمثلته أول سورة " براءة "، حيث أمَّرَ رسول الله صلى الله عليه وسلم أبا بكر على الحج في العام التاسع، فلما نزل صدر سورة " براءة " حمَّله رسول الله صلى الله عليه وسلم على بن أبي طالب ليلحق بأبي بكر حتى يُبلِّغ المشركين به، فأذَّن فيهم بالآيات وأبلغهم ألا يحج بعد العام مشرك.
12- ما نزل ليلاً وما نزل نهاراً: أكثر القرآن نزل نهاراً، وأما مانزل ما نزل اللَّيل فقد تتبعه القاسم الحسن بن محمد بن محمد بن حبيب النيسابورى، واستخرج له أمثلة منها: أواخر آل عمران: أخرج ابن حبَّان في صحيحه، وابن المنذر، وابن مردويه وابن أبي الدنيا عن عائشة رضى الله عنها: أن بلالاً أتي النبي صلى الله عليه وسلم يؤذنه لصلاة الصبح فوجده يبكى، فقال: يا رسول الله .. ما يبكيك؟ قال: ( وما يمنعني أن أبكي وقد أُنْزِلَ على هذه اللَّيلة: { إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلاَفِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لآيَاتٍ لِّأُوْلِي الألْبَابِ }[آل عمران:190] ) .. ثم قال:
ومنها: آية الثلاثة الذين خُلِّفوا، ففى الصحيحين من حديث كعب: " فأنزل الله توبتنا حين بقى الثلث الأخير من الليل "(4).
ومنها: أول سوة الفتح، ففي البخاري من حديث عمر: " لقد نزلت علىّ الليلة سورة هي أحب إلىّ مما طلعت عليه الشمس، فقرأ: { إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحاً مُّبِيناً }[الفتح:1] " ..
13- ما نزل صيفاً وما نزل شتاءً: ويمثل العلماء لما نزل صيفاً بآية الكَلالَة التي في آخر سورة النساء ففي صحيح مسلم عن عمر: " ما راجعتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم في شيء ما راجعته في الكَلالَة، وما أغلظ في شيء ما أغلظ لي فيه، حتى طعن بأصبعه في صدرى، وقال: يا عمر: ألا تكفيك آية الصيف التي في آخر سورة النساء "(5)
ومن أمثلته الآيات التي نزلت في غزوة تبوك، فإنها كانت في الصيف في شدة الحر كما في القرآن نفسه(6)
ويمثلون للشتائي بآيات حديث الإفك في سورة النور: { إِنَّ الَّذِينَ جَاؤُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِّنكُمْ }[النور:11] ... إلى قوله تعالى: { لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ }[النور:26]، ففي الصحيح عن عائشة: " أنها نزلت في يوم شات ".
ومن أمثلته الآيات التي في غزوة الخندق من سورة الأحزاب حيث كانت في شدة البرد: أخرج البيهقى في " دلائل النبوة " عن حذيفة قال: " تفرَّق الناس عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة الأحزاب إلا اثني عشر رجلاً، فأتانى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: قم فانطلق إلى عسكر الأحزاب، قلت يا رسول الله، والذى بعثك بالحق ما قمت لك إلا حياء، من البرد، فأنزل الله: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَاءتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحاً وَجُنُوداً لَّمْ تَرَوْهَا وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيراً }[الأحزاب:9] ".
14- ما نزل في الحَضَر وما نزل في السَفَر: أكثر القرآن نزل في الحضر، ولكن حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم كانت عامرة بالجهاد والغزو في سبيل الله حيث يتنزل عليه الوحي في مسير، وقد ذكر السيوطي لما نزل في السفر كثيراً من الأمثلة(7) ..
منها أول سوة الأنفال، نزلت ببدر عقب الواقعة، كما أخرجه أحمد عن سعد بن أبي وقاص ـ وقوله تعالى: { وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلاَ يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللّهِ }[التوبة:34] .. أخرج أحمد عن ثوبان أنها نزلت في بعض أسفاره صلى الله عليه وسلم ـ وأول سورة الحج، أخرج الترمذي والحاكم عن عمران بن حصين قال: " لما نزلت على النبي صلى الله عليه وسلم: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ}[الحج:1] ... إلى قوله تعالى {وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ}[الحج:2] .. أنزلت عليه هذه وهو في سفر،ـ وسورة الفتح، أخرج الحاكم وغيره عن المسور بن مخرمة ومروان بن الحكم قالا: " نزلت سورة الفتح بين مكة والمدينة في شأن الحديبية من أولها إلى آخرها ". |