| الطور الثالث : طور تحرير المذهب وضبطه ، وتنقيحه : وأما الطور الثالث من أطوار مذهب الحنابلة ، فهو طور تحرير المذهب وضبطه ، وتنقيحه ، ويبدأ هذا الطور من أوائل القرن الخامس حتى منتصف القرن التاسع الهجري ، حيث استقر المذهب من حيث المسائل الفقهية المروية عن الإمام ووضوح خطوطه العريضة وكثرة أتباعه وتعدد مصنفاته ، ولكن لم يزل هذا المذهب محتاجاً إلى مزيد ضبط وتحرير وتنقيح ، واستيعاباً لمسائل أبواب الفقه الفرعية التي تخرج على المسائل المروية عن الإمام وعلى أصول المذهب ، وهنا جاء دور كثير من محققي المذهب ورواده الذين خدموا هذا المذهب بالتصنيف في الفقه والأصول وتأليف المتون والشروح عليها ، والترجيح والتخريج .
ومن أبرز هؤلاء العلماء من طبقة المتوسطين في هذا المذهب القاضي أبو يعلى محمد بن الحسين الفراء المولود سنة ثمانين وثلاثمائة وانتهت إليه رياسة المذهب وله كتب كثيرة في الفقه والأصول وتنقيحات وتخريجات وترجيحات والتي اعتمد عليها محققوا المذهب من بعد .
ومنهم أيضاً أبو الخطاب الكلوذاني محفوظ بن أحمد بن الحسن وهو المتتلمذ على القاضي أبي يعلى، برع في الفقه والأصول و صنف كتب كثيرة أيضاً .
ومن المتوسطين أيضاً ابن عقيل أبو الوفاء على بن عقيل بن محمد، تتلمذ على القاضي أبي يعلى ، خدم المذهب خدمات جليلة و كان من علماء الحنابلة المحققين ، ولد سنة اثنتين وثلاثين وأربعمائة وتوفي سنة ثلاث عشر وخمسمائة .
ومنهم أيضاً ابن الجوزي ، عبد الرحمن بن علي ، وهو من نسل أبي بكر الصديق ، ولد رضي الله عنه سنة خمسمائة وعشرة من هجرة النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ وتوفي سنة سبعة وتسعين وخمسمائة ، بعد أن برع في العلوم كافة ، فكتب في علوم الإسلام عامة وله مؤلفات كثيرة في خدمة المذهب الحنبلي خاصة .
ومن علماء الحنابلة المشهورين ابن قدامة ، أبو محمد موفق الدين عبد الله بن أحمد المقدسي المولود سنة إحدى وأربعين وخمسمائة والمتوفى سنة عشرين وستمائة ، انتهت إليه رياسة المذهب الحنبلي في عصره ، وخدم المذهب خدمة عظيمة بالتصنيف في الفقه والأصول ، وبشرحه متن الخرقي ، الشرح المعروف باسم المغني ، كانت له متون فقهية لاقت اهتمام الحنابلة من بعده ، فقاموا بشرحها في شروح كثيرة ، وكانت له اليد الطولى في استقرار المذهب وشموخه ودوامه ، توفي ـ رحمه الله ـ سنة عشرين وستمائة .
ومن علماء المذهب الكبار المجد أبو البركات ، مجد الدين ، عبد السلام بن عبد الله بن تيمية المولود بحران سنة تسعين وخمسمائة ، كان من شيوخ الحنابلة البارزين ، كان يتوقد ذكاء ، له في فقه الحنابلة مصنفات متعددة من أشهرها كتابه المحرر ، وله ترجيحات مقدمة عند الحنابلة المتأخرين ، وهذا المجد هو جد شيخ الإسلام أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام ، الملقب بابن تيمية الحراني ـ رحمه الله تعالى ـ والمولود سنة إحدى وستين وستمائة ، البحر العلامة المجتهد الفهامة ـ رحمه الله تعالى ورضي عنه ـ تعلم العلم ودرس الفقه الحنبلي وبلغ الإمامة في فروع الدين ، حتى تأهل رحمه الله تعالى للفتوى وهو دون العشرين من عمره ، صنف كتبا متعددة في الفقه وأصوله، منها شرح العمدة لابن قدامة ، وله اجتهادات عظيمة بلغت الأفاق ، ونفع الله تعالى بها البلاد والعباد ، توفي رحمه الله تعالى سنة ثمان وعشرين وسبعمائة ، وأثنى عليه الموافق والمخالف .
ومن الحنابلة المتأخرين الإمام أبو عبد الله محمد بن بكر بن أيوب المشهور بابن قيم الجوزية لأن أباه كان ناظراً على مدرسة الجوزية والمولود سنة إحدى وتسعين وستمائة ، برع في الفقه وعلوم الدين وتتلمذ على شيخه ابن تيمية ووافق على اجتهاداته ونصر المذهب الحنبلي وله فيه كتب ، بل في أصوله كتب من أشهرها كتابه إعلام الموقعين، توفي ـ رحمه الله ـ سنة إحدى وخمسين وسبعمائة .
ومنهم أيضاً ابن رجب وابن مفلح وكل هؤلاء ممن كانوا في هذا الطور الذي حرر فيه المذهب ونقح ودقق . الطور الرابع : طور استقرار المذهب : ويبدأ من منتصف القرن التاسع حتى نهاية القرن الرابع عشر الهجري .
هذه المرحلة استقر فيها المذهب تماما ونحا متأخروا المذهب نحو أسلافهم في التصنيف من غير تحرير أو تخريج إلا فيما ندر ، ولكن تميزت هذه الفترة ببيان ما استقر عليه المذهب من روايات وأوجه في مقابل الروايات والأوجه التي خالفها جمهور الحنابلة .
من أبرز هؤلاء العلماء الذين برزوا في هذه الفترة الإمام المرداوي ، علاء الدين أبو الحسن على بن سليمان بن أحمد المولود سنة ثمان عشرة وثمانمائة والمتوفى سنة خمس وثمانين وثمانمائة ، وله كتاب الإنصاف في معرفة الراجح من الخلاف وهو من أجل المصنفات التي حررت روايات المذهب وأوجهه وترجيحاته ، بل هو عمدة المتأخرين ممن كتب وصنف وألف في مذهب الحنابلة وأفتى وحاضر.
ومنهم أيضاً يوسف بن عبد الهادي المتوفى سنة تسعة وتسعمائة ، له كتب متعددة في خدمة المذهب أشهرها كتاب مغني ذوي الأفهام ، وله كتاب في القواعد الفقهية .
ومنهم أيضاً الإمام الحجاوي صاحب زاد المستقنع ومنهم الإمام الفتوحي الذي جاء بكتاب منتهى الإرادات ، وشرحه بنفسه ومنهم الإمام البهوتي المتوفى سنة إحدى وخمسين وألف ، له جهد كبير في خدمة المذهب ولمؤلفاته القبول عند متأخري الحنابلة ، ومنهم الإمام عبد القادر بن مصطفى الدمشقي المعروف بابن بدران المتوفى سنة ألف وثلاثمائة وست وأربعين من هجرة المصطفى ـ صلى الله عليه وسلم ـ كتب في خدمة المذهب كتابه المدخل إلى مذهب الإمام احمد بن حنبل وله حواش على الروض المربع وعلى شرح المنتهى للبهوتي وله في أصول الفقه نزهة الخاطر العاطر شرح روضة الناظر لابن قدامة . الطور الخامس : إحياء تراثه : ويبدأ من بداية القرن الرابع عشر الهجري حتى يوم الناس هذا وهذه المرحلة هي سمة العصر الحديث الذي اهتم بتحقيق مخطوطات التراث الحنبلي حيث قامت مؤسسات علمية عديدة بتحقيق كم هائل من هذه المخطوطات التي بلغت بل زادت على مائتين وخمسين كتاباً من تراث الحنابلة، تم تحقيقها وتنقيحها وطباعتها وإعادة طباعتها خلال هذا القرن الرابع عشر الهجري وإلى يوم الناس هذا .
بعد هذه المقدمة التاريخية عن المذهب وأطواره يحسن بنا أن نتحدث عن أصول هذا المذهب ومميزاته ومفرداته . |