| أصول المذهب : كان للإمام أحمد جهد في تأصيل مذهبه وإن لم يكن يعمد إلى هذا ـ رحمه الله ـ لشدة ورعه ولكن هذه الأصول استقيت من فتاويه ، واستقيت من كتبه وعرفت من فروعه التي ردت إلى أصول خمسة بنى الإمام أحمد مذهبه عليها . الأصل الأول : الذي عني به الإمام في فتاواه تقديمه للنصوص من الكتاب والسنة : فكان الإمام ـ رحمه الله ـ يفتي بموجب النص من كتاب الله ، أو من سنة النبي ـ صلى اله عليه وسلم ـ ولا يلتفت إلى ما يخالفه ولو كان قول صحابي جليل ولهذا لم يلتفت ـ رحمه الله ـ إلى قول معاذ ومعاوية ـ رضي الله عنهما ـ بتوريث المسلم عن الكافر لصحة الحديث المانع من التوارث بينهما . الأصل الثاني : الإجماع : والإمام احمد ـ رحمه الله تعالى ـ يعتمد أصل الإجماع والإجماع عند الحنابلة على دربين :
الدرب الأول الإجماع العام : وهو مثل إجماع المسلمين على فرضية الصلاة والصوم والزكاة والحج ونحو ذلك .
وأما الإجماع الثاني فهو الإجماع الخاص وهو قول الصحابي : إذا اشتهر بين الصحابة وأقروه على ذلك ولم ينكر عليه أحد منهم ، مثل ما روي عن عمر ـ رضي الله تعالى عنه ـ أنه جلد الثلاثة الذين شهدوا على المغيرة ثمانين جلدة ، جلدهم حد القذف ، فأقروه على ذلك ، ولم ينكر عليه أحد من الصحابة .
ومنه أيضاً عدم العلم بالمخالف، فالمقدم عند الإمام أحمد الكتاب والسنة والإجماع ، ثم يأتي في الدرجة الثانية قول الصحابي الذي لم يعلم له مخالف، وهذا لا يعد من قبيل الإجماع عنده .
ولهذا كذب من ادعى هذا الإجماع ، فقال عبد الله بن أحمد سمعت أبي يقول :" ما يدعي الرجل الإجماع فهو كذب، من ادعى الإجماع فهو كاذب، لعل الناس اختلفوا ما يدريك ولم ينتهي إليك، فليقل لا نعلم، الناس اختلفوا " .
فالإمام أحمد لم ينكر حدوث الإجماع ولا وقوعه ، ولكن اعترض على اعتبار عدم العلم بالمخالف من قبيل الإجماع فإنه قد يكون في المسألة خلاف ، ولم يصل رأي المخالف إلى مدعى الإجماع ، بل قد يكون الرأي الراجح مع المخالف . الأصل الثالث : فتاوى الصحابة : والأصل الثالث الذي بنى الإمام عليه مذهبه هو فتاوى الصحابة وأقوالهم. كان الإمام أحمد إذا وجد لبعض الصحابة فتوى لا يعرف له فيها مخالف أخذ بها ، وهذا إذا لم يكن ثمة آية أو حديث أو إجماع سابق فإنه كان لا يعدل بفتوى الصحابة شيئاً إذا فقد الكتاب والسنة، وإذا لم يوجد في المسألة نص من كتاب أو سنة ولم يُدَّعى فيها إجماع فكان من ورعه يقول: لا أعلم شيئاً يدفعه ، يعني يدفع كلام الصحابي أو فتوى الصحابي ولم يقدم على هذه الفتوى رأياً ولا قياساً .
وإذا اختلف الصحابة تخير من أقوالهم ما كان أقربها إلى الكتاب والسنة ولم يخرج عن أقوالهم فإن لم يتبين له موافقة أحد القوال حكى الخلاف في المسألة ، ولم يجزم بقول من هذه الأقوال
ولهذا نجد ابن القيم ـ رحمه الله تعالى ـ حين تحدث عن فتاوى الإمام احمد فيقول : " من تأمل فتاواه وفتاوى الصحابة رأى مطابقة كل منهما على الأخرى ، ورأى الجميع كأنها تخرج من مشكاة واحدة حتى إن الصحابة إذا اختلفوا على قولين جاء عنه في المسألة روايتان ، وكان تحريه لفتاوى الصحابة كتحري أصحابه لفتاويه ونصوصه بل أعظم ". الأصل الرابع : القول بالمرسل : ومن الأصول الذي قال بها الإمام أحمد القول بالمرسل فأحمد كان يقدم قول الصحابي إذا صح عنه على الحديث المرسل .
لأن الحديث المرسل هو الذي رفعه التابعي إلى الرسول مباشرة من غير ذكر للصحابي وهو يحتمل أن يكون التابعي قد رواه عن صحابي ويحتمل أن يكون قد رواه عن تابعي مثله ، وعن التابعي قد يكون ثقة وقد يكون ضعيفاً .
أما الموقوف على الصحابي بسند صحيح فلا يحتمل أن يتدنى عن رتبة أقوال الصحابة العدول الثقات .
لذا لما سئل الإمام أحمد في مسائل ابن هانئ ، قال : قلت لأبي عبد الله: حديث عن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ مرسل برجال ثبت أحب إليك أو حديث عن الصحابة والتابعين متصل برجال ثبت ؟
قال أبو عبد الله رحمه الله : "عن الصحابة أعجب إلى " .
يعني أنه يقدم فتوى الصحابي إذا صحت نسبتها إليه عن المرسل لأن المرسل قسم من الضعيف ، أما إذا لم يجد قولا للصحابي ومن قبل لم يجد شيئا في كتاب الله ولا سنة رسوله صلى الله عليه وسلم فإنه إذا وجد الحديث المرسل قال به وقدمه على القياس .
وحين يقول الإمام أحمد بالمرسل فإنه يشترط للأخذ بهذا المرسل شروطاً، هذه الشروط تقوي من شأن المرسل ، ومنها ألا يكون المرسل ضعيفا بحيث أن يكون في إسناده راوٍ كذاب أو متهم ، وربما نظر إلى موافقة المرسل لفتاوى العلماء ونظر إلى موافقة المرسل إلى مثله من الأحاديث المرسلة التي يقوي بعضها بعضاً فالمراد بهذا المرسل أنه ما كان من جنس الحسن لغيره .
أو الحديث الذي فيه ضعف إلا أن الضعف فيه غير شديد .
وهذا الأصل كما هو موجود عند أحمد رحمه الله موجود في بقية المذاهب الفقهية إلا أن أحمد كان يقدم هذا على القياس مطلقاُ ، أما بقية الأئمة فكانوا تارة يقدمون القياس وتارة يقدمون الحديث المرسل أو الحديث الذي ضعف غير شديد . الأصل الخامس : القياس : أما الأصل الخامس الذي بنى عليه الإمام أحمد مذهبه فهو القياس ، إذا لم يكن عند الإمام في المسألة نص من كتاب أو سنة ولم يعرف فيها إجماعا أو قولاً لأحد الصحابة أو أثر مرسل أو ضعيف أخذ بالقياس وجعله منزلة الضرورة ، قال رحمه الله فيما رواه عنه الخلال : قال سألت الشافعي عن القياس قال إنما يصار إليه عند الضرورة .
وهذه بالجملة أصول الإمام أحمد التي بنى عليها هذا المذهب ، والتي استقر عليها الحنابلة من بعد الإمام أحمد ، ثم إنهم صارت لهم كتبهم التي كتبوا فيها أصول المذهب ، أو أصول الفقه عند الحنابلة كما هو عند جمهور الفقهاء . |