السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
************************
الدرس الأول : تقديم للكتاب - البدء في شرح الحديث الأول
المقدمة :
ما المراد بالحديث، وما المراد بالسنة النبوية، وهل السنة لا تطلق إلا على ما يُنسب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟
الحديث أو السنة عند المحدثين: هي ما نُسب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم من قول أو فعل أو تقرير أو صفة خَلْقية أو خُلقية، وما نُسب إلى غيره أي إلى الصحابة أو إلى التابعين يدخل عند جمهور المحدثين في عموم الخبر أو الأثر.
· القول، وهذا أكثر الأحاديث، أكثر السنة هي من أقوال النبي صلى الله عليه وسلم، وهي كثيرة منها (إنما الأعمال بالنيات)، (من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو ردٌّ)، آلاف مؤلفة من الأحاديث التي تُسمى الأحاديث القولية، أي تلفظ بها النبي صلى الله عليه وسلم.
· أو فعل، الفعل هو أفعال النبي صلى الله عليه وسلم، مثل ما نقل الصحابة في وضوئه عليه الصلاة والسلام، في صلاته، في صيامه، في حجه، في تعامله مع الآخرين، في بيعه وشرائه، فعندما يقول الراوي أو الصحابي كان النبي صلى الله عليه وسلم يفعل كذا وكان كذا، فهذه هي الأفعال.
· أو تقرير، أي أن يقر النبي صلى الله عليه وسلم فعلا، سواءً أقره بقوله، أم لم يقره بقوله، وإنما أقر هذا الفعل، والأحاديث الفعلية والتقريرية أقل من الأحاديث القولية.
· أو نُسب إلى النبي صلى الله عليه وسلم
o من صفات خلقية، كان كريمًا، كان جوادًا، كان متواضعًا، عليه الصلاة والسلام.
o أو خلقية، كان طويلا، كان أبيضًا مشروبًا بحمرة، وكان إذا مشى كأنه منحدرٌ من صبب.
وكأني بقائلٍ يقول ما لنا وللصفات الخلقية، ولكن قد يُقتبس منها سنة فعلية، مثل (كان إذا مشى ينحدر من صبب)، فنأخذ صفة المشي للرجل المعتبر، فليست كمشية الرجل الهزيل إذا مشى، بل يمشي منحدرٌ من صبب، لا يلتفت يمنة ولا يسرة، إذًا أخذنا من الصفات الخلقية بعض السنن التي نستفيدها من حياة النبي صلى الله عليه وسلم.
هل بينهما ترادف؟ هل بينهما تطابق ؟
لفظ السنة والحديث مترادفان، فالسنة تساوي الحديث عند المحدثين، لكن السنة تختلف عند الفقهاء، وتختلف عند أهل أصول الفقه، قد ترد عند علماء العقيدة، وكل يستعملها بحسب الاصطلاح الذي يتعامل معه، فالسنة عند الفقهاء لا ينظرون إليها على أنها أُثرت عن النبي صلى الله عليه وسلم، إنما ينظرون إليها باعتبار أنها حكم تكليفي، فالأحكام التكليفية إما واجب، وإما سنة أي مستحب، أو مباح أو مكروه، أو محرم.
علماء الأصول قريب من المحدثين، يأخذونها باعتبار أنها مصدر تشريع من مصادر التشريع الإسلامي، فعندما نقول المصدر، فالأساس هو الكتاب والسنة، ولذلك لا يدخلون معها الصفات، إنما يقولون ما رُوي عن النبي صلى الله عليه وسلم من قول أو فعل أو تقرير مما يصلح أن يكون دليلا شرعيًّا، لأنهم نظروا إلى أن السنة مصدرًا من مصارد التشريع.
علماء العقيدة إذا قالوا هذا العمل سنة فإنهم يقصدون أن هذا العمل دل عليه الدليل من القرآن والسنة، فيأخذه علماء العقيدة باعتبار أن السنه البدعة، فليست السنة مجرد ما أُثر عن النبي صلى الله عليه وسلم، مثلما قال النبي صلى الله عليه وسلم (عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي، تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ) حتى قال (وإياكم ومحدثات الأمور، فإن كل محدثة بدعة)، فهنا البدعة مقابل ما قاله في أول الحديث، أي السنة.
نحن نتحدث هنا باعتبار أنها منسوبة إلى النبي صلى الله عليه وسلم، يعني نأخذها باعتبار أن النبي صلى الله عليه وسلم قال هذا القول، فعل هذا الفعل، فنستنبط منه ما يدل عليه هذا القول، وما يدل عليه هذا الفعل.
أهمية تعلم السنة النبوية ؟
السنة النبوية لاشك أنها ذات أهمية كبرى في حياة الناس، يكفي أن نشير إلى بعض النقاط في هذا الباب، ومن أهم النقاط:
· أن السنة جاءت مفسرة ومبينة ومفصلة لما جاء في كتاب الله عزّ وجلّ، وهي التطبيق الواقعي على الأرض لكتاب الله سبحانه وتعالى، هل نجد في القرآن عدد الصلوات؟ هل نجد عدد الركعات؟ هل نجد أنصبة الزكاة، هل نجد تفصيل أحكام الصيام؟ هل نجد تفصيل أحكام الحج والعمرة؟ وقس على ذلك سائر التشريع.
· أنه لا يمكن فهم القرآن الكريم إلا بالسنة النبوية، فلا يمكن أن نفهم كثير من أحكام القرآن أو من تشريعات الله سبحانه وتعالى في كتابه عزّ وجلّ إلا من خلال السنة النبوية.
· أيضًا أن دراسة السنة النبوية هي من العبادة والطاعة لله عزّ وجلّ، وفي كثير من الآيات قرن الله سبحانه وتعالى طاعة رسوله صلى الله عليه وسلم بطاعته جلّ وعلا، فالسنة والقرآن صنوان، لا يمكن أن نكتفي بالقرآن كما تقول بعض الفرق، يقولون نكتفي بالقرآن وندع السنة، فالسنة كانت في مرحلة معينة من الزمن فطبقت وانتهت، فنكتفي بالقرآن، هذا كلام غير سليم، فلا يمكن أن يُعمل بالقرآن ولا يعمل بالسنة، والسنة لا يمكن فهمها إلا بالقرآن، ولا يمكن فهم القرآن إلا بالسنة، ومن ثم أصبح العمل بالسنة وتعلم السنة وتعليمها طاعة لله عزّ وجلّ، لأن الله عزّ وجلّ قرن بين طاعة رسوله وبين طاعته جلّ وعلا في آيات كثيرة، ﴿ مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ ﴾ .
· هناك أحكامًا كثيرة لم تٌبين في القرآن، وهذه الأحكام بينها النبي صلى الله عليه وسلم.
· وأيضًا من أهمية السنة أنه قد يقول قائل أن الكلام في القرآن وما أنزله الله جلّ وعلا في القرآن أو حتى ما تحدث به الرسول صلى الله عليه وسلم يبقى الكلام نظريًّا، لكن حياة النبي صلى الله عليه وسلم هي التطبيق الواقعي في الحياة، لذلك جاء الحث الكبير في القرآن وفي السنة على تعلم السنة، ومن ذلك قول الرسول صلى الله عليه وسلم ( نضر الله امرءًا سمع مقالاتي فوعاها، فأداها كما سمعها، فرُب مُبلَّغ أوعى من سامع )، وهذا من دعاء النبي صلى الله عليه وسلم لمن تعلم هذه السنة، بأن يكون صاحب نضارة ونور في الدنيا وفي الآخرة.
إذًا نخلص إلى ضرورة تعلم السنة لنندرج تحت تبعية النبي صلى الله عليه وسلم، وتنالنا دعوته عليه الصلاة والسلام بالنور والوضاءة يوم القيامة، وحتى ننال محبة الله سبحانه وتعالى، ﴿ قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾ ،
كيف قابل أئمة الإسلام هذا العلم؟ هل ألفوا فيه؟ هل تعاملوا معه ؟
هذه السنة اعتنى بها صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم منذ وجود رسول الله صلى الله عليه وسلم وبعده عليه الصلاة والسلام، ثم من بعدهم من الأئمة، وأصبح علم كبير اسمه علم تاريخ السنة، المهم أن السنة دُونت في الكتب، وأصبح هناك ثروة عظيمة وكبيرة جدًا حتى يومنا هذا، ولازال المهتمون بالسنة النبوية على تواصل مع هذه التآليف.
دُونت الكتب بأنواع وأنماط وأقسام مختلفة حتى أصبح من الكتب ما هو أصح الكتب بعد كتاب الله عزّ وجلّ، وهو كتاب الإمام البخاري، وقريبٌ منه أو مثله كتاب الإمام مسلم، فأصبح صحيح البخاري وصحيح مسلم هما أصح الكتب بعد كتاب الله عزّ وجلّ، وقد تلقت الأمة هذين الكتابين بالقبول، فكل ما فيهما فهو صحيح.
بعد ذلك جاءت مجموعة كبيرة من الكتب أخذت مسميات مثل السنن، المعاجم، المسانيد، المصنفات، فيها الصحيح وهو كثير، وفيها ما دون الصحيح وهو المصطلح عليه بالحسن، وفيه ما هو ضعيف يحتاج إلى ما يُرقيه، وفيها ما هو متروك ومردود، وهو الموضوع.
من ضمن المؤلفات المؤلفات في صنف معين، إما المؤلفات في الأحكام، المؤلفات في الترغيب والترهيب، مؤلفات في موضوعٍ خاص، فمن ضمن هذه المؤلفات ما اصطلح عليه أهل العلم بتأليف الأربعينيّات، بعض أهل العلم يستشهد بحديث النبي صلى الله عليه وسلم (من حفظ على أمتي أربعين حديثًا من أمر دينها بعثه الله يوم القيامة في زمرة الفقهاء والعلماء)، هذا الحديث ضعيف باتفاق الأئمة، لكن استأنس كثيرٌ من أهل العلم به فصاروا يؤلفون الأربعين، الإمام النووي يقول لا، أنا ما ألفت هذه الأربعين بناءً على هذه الحديث، وإنما بناء على الحديث السابق الذي ذكرناه، وهو قوله عليه الصلاة والسلام ( نضر الله امرءًا سمع مقالاتي فوعاها فأداها كما سمعها، فرُب مُبلَّغ أوعى من سامع ).
ما الأربعون النووية؟ من مؤلفها؟ هل شرحها أحد؟ تحتوي على ماذا؟
إذًا من ضمن المؤلفات ما يُسمى بالأربعين، الأربعون هذه قد يؤلفها في موضوعٍ خاص، في الزهد، قد تؤلف في كليات الإسلام، قد تؤلف في موضوع الجهاد مثلا، موضوع القرآن، وهكذا، الإمام النووي يقول "نظرتُ في هذه التآليف فوجدت أن من أعظمها أن أؤلف في قواعد الدين"، يعني المنطلقات التي يُنطلق منها لدين الله عزّ وجلّ، ولاشك أن دين الإسلام لا ينطلق من فراغ أو ينطلق من أهواء ورغبات شخصية، أو ينطلق بناءً على عقول الناس أو تفكير الناس، إنما ينطلق من قواعد كلية تُستنبط من كتاب الله ومن سنة روسوله صلى الله عليه وسلم، ولاشك أن هذا علمٌ كبيرٌ، وعلم أساس، فالإمام النووي وُفق رحمه الله في جمع هذه الأربعين في هذه الكليات الكبرى كما سنلاحظ في كل حديث من هذه الأحاديث، حديث النية، حديث توقيف العبادات، حديث قاعدة الحلال والحرام، حديث قاعدة القدر، حديث مراتب الدين، حديث الإسلام، وهكذا سنجد كل حديث من هذه الأحاديث يمثل قاعدة كبيرةٌ كلية من هذه الكليات.
أول هذه الأحاديث كان بدأها الإمام أبو عمرو بن الصلاح رحمه الله، فوصل إلى نحو عشرين أو واحد وعشرين أو اثنين وعشرين حديثًا، نظر فيها الإمام النووي، وقد وجد أنها فعلا تمثل كليات في الدين فأخذها، ثم زادها إلى اثنين وأربعين حديثًا، فسُميت الأربعين النووية، والنووية نسبةً إليه رحمه الله تعالى.
فهو الإمام محيي الدين أبو زكريا يحيى بن شرف النووي الشافعي رحمه الله، وُلد سنة ستمائة وواحد وثلاثين للهجرة، الإمام النووي رحمه الله كان والده يشتغل بالبيع والشراء فيأخذه وهو صبي معه في هذا الدكان، وكان يتضايق رحمه الله وكان يراجع محفوظاته، يراجع القرآن الكريم وهو صغير قبل السابعة، فيراجع ما حفظ، يخرج من بيته ويجد الصبيان يلعبون، فلا يلعب معهم، وإذا أُلزم بهذا اللعب تضايق تضايقًا شديدًا، ولذلك اتجه لحلق العلم، فدرس على كبار زمانه بعد حفظ القرآن أمهات كتب السنة وقرأها، حتى برع وهو صغير، برع في هذا العلم وهو صغير.
اشتهر رحمه الله بالزهد، فكان لا يقيم يومه وليلته إلا بشيءٍ من الخبز يغطه في الماء، فقط، ويقيم حياته على ذلك، ويتفرغ تفرغًا لطلب العلم، لذلك برع في الحديث، وشرح صحيح الإمام مسلم، والأربعين النووية، وبرع في الفقه، وألف روضة الطالبين في الفقه الشافعي، وبدأ المجموع وهو من أوسع كتب الفقه، لكن لم يتمه رحمه الله، برع في الجرح والتعديل، ألف كتاب تهذيب الأسماء واللغات وفي الرجال عمومًا، ومن كتب الحديث المشهورة الكتاب الذي نسمع قراءته في كل مسجد تقريبًا وهو كتاب رياض الصالحين.
أيضًا رحمه الله اشتهر مع الزهد والعلم بالعبادة والغيرة على دين الله عزّ وجلّ حتى اشتهر بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، تُوفي رحمه الله وهو صغير عمره لا يتجاوز ثلاث وأربعين سنة، ومع ذلك أخذ لقب الإمامة، فيُقال الإمام النووي، وهذا نتيجة لما ملأ شبابه في القراءة والبحث والاطلاع والاستماع والتلقي عن أهل العلم.
هذه الأربعين نالت اهتمام أهل العلم من بعد الإمام النووي رحمه الله، حتى شرحها عددٌ من أهل العلم، من أوسع الشروحات لهذه الأربعين شرح الإمام ابن رجب الحنبلي رحمه الله في كتابه المشهور "جامع العلوم والحكم"، وشرحها كذلك ابن دقيق العيد، وهو من أئمة الشافعية الكبار في شرحٍ موجز، والإمام النووي نفسه علق عليها بعض التعليقات الخفيفة، ولازالت تُشرح إلى اليوم، وذلك لما تحتويه هذه الأحاديث الأربعين من كليات الدين المهمة التي يحتاجها طالب العلم.