|
نفطكم ما يزال ارخص من كوكا كولا !!
السلام عليكم و رحمة الله و بركاته
غسان عبد الهادى ابراهيم
الحوار المتمدن - العدد: 1305 - 2005 / 9 / 2
اذا كانت عوامل السوق، وتحديدا سباق "العرض والطلب"، هى التى تحدد سعر أية بضاعة، فان الطلب المتزايد على النفط، وتراجع القدرات على توفير المزيد من العرض، يعنى ان اسعار النفط ستواصل مسيرتها التصاعدية لتجتاجز حاجز الـ100 دولار للبرميل الواحد، فى غضون عام واحد، ولتصل الى 150 دولارا للبرميل فى غضون خمسة اعوام. فمن كان منكم يملك برميل نفط، فمن الأفضل ان يقتصد فى عرضه، ليس لانه ثروة ناضبة يحسن التريث فى افاقها، فحسب، بل سعرها الراهن ما يزال غير عادل، وذلك على الرغم من كل الضجيج الذى تثيره الدول الصناعية.
ففى هذه البلدان ما يزال ليتر الكوكا كولا أغلى من ليتر البنزين. اذ تبيع اسواق سانزبرى فى بريطانيا، على سبيل المثال، ليتر البترول "الخالى من الرصاص" بـ90 بنس، فى حين تبيع ليتر الكوكا كولا ب109 بنس. أى ان الكوكا كولا اغلى بنحو 02 فى المائة من سعر البنزين، مع الاخذ فى نظر الاعتبار ان سعر البنزين يتضمن: 1- ضرائب الخزينة، 2- كلفة التكرير وارباح شركاته، 3- كلفة النقل وارباح شركاته، 4- كلفة وارباح محطات البيع. وذلك ليتضح ان النفط الخام ما يزال يباع فى الواقع برخص التراب.
واذ تعمد البلدان الصناعية، وفى مقدمتها الولايات المتحدة الى رفع اسعار منتجاتها الصناعية وملاحقة الفقراء لدفع ما يسمى بضريبة "الحقوق الفكرية" لقاء استخدام منتجاتها التكنولوجية، فانها تعمد الى خفض قيمة عملاتها لتحد من الفوائد المتوقعة من ارتفاع اسعار النفط. وذلك فوق انها تلزم العديد من الدول المنتجة للنفط على شراء اسلحة وتكنولوجيات باهظة الثمن لتسترد باليد اليسرى ما تعطيه باليد اليمني.
لكى يكون عادلا، ولو قليلا، فان سعر النفط فى ظروف السوق الراهنة يجب ان يكون 150 دولارا، وذلك اذا اخذ بعين الاعتبار ليس حجم الطلب المتزايد، بل حقيقة ان السعر الراهن للنفط ما يزال اقل من الناحية العملية من اسعاره مطلع السبيعنات بسبب عامل رئيسى واحد على الاقل هو التضخم الذى افقد الدولار اكثر من 70 فى المائة من قيمته. فما كان يباع عام 1973 بـ 35 دولارا، يجب ان يباع اليوم بـ 100 دولار على الأقل. ما يعنى ان الدول المنتجة للنفط ما تزال تبيع نفطها باسعار تقل بـ 33 دولارا للبرميل عن السعر الذى يحدده فارق التضخم، هذا من دون حساب تأثير تزايد الطلب والنضوب المتواصل للاحتياطات، وعجر منشآت التكرير والتصفية، التى تعمل بـ95 فى المائة من طاقتها، على تلبية احتياجات السوق الآخذة بالتزايد بسرعات غير مسبوقة.
ومؤخرا اعلن بنك "جولدمان ساكس" توقعاته التى تنبأت بوصول الاسعار حافة المئة دولار، فى غضون عام. ولئن جاءت هذه التوقعات بمثابة "صدمة" كما تزعم وسائل الاعلام الغربية، ان الكثير من جوانب هذه "الصدمة" المزيفة لم يكن سوى مسرحية هزلية لان الكل هناك يعرف كم يأكل التضخم وارتفاع اسعار المنتجات الصناعية من قيمة النفط.
ومن المتوقع، حسب عدة دراسات مقارنة متداولة لدى الشركات المتخصصة فى ابحاث السوق، ان ينمو الطلب على النفط حتى عام 2010 بنسبة 8% ليصل قرابة 127.66 مليون برميل يومياً بينما ينمو العرض بنسبة لا تتجاوز 4% ليصل 105.44 مليون برميل يومياً "انظر الشكل رقم "1"" مما سيؤدى الى رفع سعر البرميل الى 149.72 دولار
وفى حين يبدو البحث عن طاقة بديلة كتهديد للدول المنتجة للنفط، فالحقيقة هى ان الطاقة البديلة عالية الكلفة من ناحية. وهى مستخدمة بالفعل من دون ان تتمكن من سد النقص المتزايد، من ناحية ثانية، كما ان الوقائع تشير الى ان تطور التكنولوجيا سوف يزيد الاعتماد على النفط وليس العكس من ناحية ثالثة. ولكن الأهم من هذا كله هو ان القيمة الاقتصادية للنفط لا تقتصر على كونه مصدر لانتاج المحروقات. وهناك من يقول ان استهلاكه على هذا النحو يمثل تبديدا لمادة حيوية لا سبيل لتعويضها.
ويستطيع المرء ان ينظر حوله ليجد ان 90% من الحاجيات والسلع والمعدات تحتوى على مادة مستخرجة من النفط، وليس أقلها البلاستك الذى يشكل بحد ذاته العنصر الرئيسى للكثير جدا من المنتجات الصناعية، حتى أكثرها تطورا.
فلماذا يبيع المنتجون نفطهم باسعار زهيدة؟ أليس من حق شعوب الدول المنتجة للنفط ان توظف العائدات النفطية، التى ستزول فى غضون 30 عاما، فى ارساء بنية اقتصادية بديلة تحفظ حقوق ابناءنا الحاليين "دع عنك ابناءهم" فى العثور على حياة كريمة؟
أليس من الأفضل لمستقبل هذا الجيل ان يتم طمر حقول النفط والتوقف عن الانتاج، بدلا من تبديد هذه الثروة، وبدلا من أكل حق أطفالنا فيها؟
الشاب الذى يبلغ من العمر 51 عاما اليوم، لن يجد عندما يبلغ الـ54 نفطا يمول وظيفته او الخدمات الأساسية التى تقدمها الدولة؟ فماذا سنفعل فى ذلك الحين؟
الاجابة على هذا السؤال واحد من اهم مسؤوليات حكوماتنا اليوم. ومن حق شعوبنا ان تتلقى اجابة واضحة وصريحة.
وسيثبت التاريخ، ان خفض الانتاج، وليس زيادته، هو خير ما يمكن عمله اليوم.
صحيح ان احتياجات التنمية تتطلب المزيد من الانفاق، الا ان ارتفاع عائدات النفط سوف يسمح بخفض الانتاج من دون ان تشعر الميزانيات النفطية بأى نقص فى المداخيل.
فما سيحصل هو العكس تماما: الميزانيات سوف تزداد، من جهة، وحقوق الجيل الراهن من الأبناء ستظل محفوظة من جهة أخري.
... لكى لا ندفع وحدنا الثمن
أسعار النفط لن تتوقف عن الارتفاع والاقتصاد الصناعى قادر على امتصاصها
الحقيقة أن هناك العديد من المتغيرات والمستجدات لعبت دوراً بارزاً فى زيادة الطلب العالمى على النفط الخام وستؤدى بالتالى إلى ارتفاع أسعاره، وهذه العوامل تشكل صلب وجوهر الفكرة التى استخلصت منها تلك الدراسات توقعاتها.
ويقول خبراء اقتصاديون ان ارتفاع اسعار النفط لم يؤثر على النمو الاقتصادى لدى الدول الصناعية. فقد تمكنت اقتصاديات هذه الدول من امتصاص الزيادة فى الاسعار، بينما ما تزال الشركات الكبرى تحقق ارباحا قياسية بسبب ارتفاع مبيعاتها وارتفاع أسعارها، الذى يدفع المستهلكون الخارجيون، بمن فيهم الدول المنتجة للنفط، قسطا كبيرا منه، مما يجعل الزيادة فى اسعار كل المواد الخام، وليس النفط وحده، مقايضة عادلة. وليست اسعار الكوكا كولا سوى مثال بسيط لملايين المنتجات الصناعية التى تبيعها الشركات الكبرى بأسعار باهظة. فما من شيء ينتجه الصناعيون الكبار الا وكان سعره خياليا قياسا باسعار المواد الخام، ابتداء من المياه المعدنية وصولا الى كل المعدات والخدمات الانتاجية والاستهلاكية التى يضطر الفقراء الى دفع ثمنها وهم بلا حول ولا قوة.
ولكى لا ندفع وحدنا الثمن، فلعله من المنصف أكثر ان يرفع الفقراء أسعار كل موادهم الخام، بما فيها المواد الزراعية، وليس النفط وحده، لتعويض الفارق المتزايد بين اسعار هذه المواد وبين اسعار الخدمات والسلع التى يضطرون الى استيرادها من الدول الغنية.
والحال، فان من أهم تلك العوامل التى تواصل دفع اسعار النفط فى اتجاه صاعد ما يلي:
- النمو الاقتصادى الصيني: فقد ادى النمو السريع فى الاقتصاد الصينى الى زيادة الطلب على النفط بنسبة 20%خلال العام الماضي. ويتوقع الاقتصاديون أن يستمر الاقتصاد الصينى فى النمو بمعدلات سريعة خلال الأعوام القادمة. الامر الذى سيعزز الاتجاه الصاعد لاسعار النفط.
فقد بلغ نمو الاقتصاد الصينى حوالى 10%سنوياً فى الأعوام الأخيرة مع توقع عدد من الاقتصاديين أن تستمر على هذا المنوال. ونتج عن هذا النمو زيادة الطلب على النفط لدرجة أن الصين تجاوزت اليابان وأصبحت ثانى مستهلك للنفط فى العالم بعد الولايات المتحدة حيث بلغ استهلاكها 6.3 مليون برميل يومياً. وتتوقع إدارة المعلومات فى وزارة الطاقة الأمريكية تضاعف هذا الاستهلاك ليصل استهلاك الصين إلى 12.8 مليون برميل يومياً بحلول عام 2010، سيتم استيراد أغلبها "9.4 مليون برميل يومياً". وكانت واردات النفط قد ازدادت بمقدار 35 فى المئة فى عام 2004.
كما ان ربط الصين عملتها بالدولار مع زيادة انفتاحها الاقتصادى وانخفاض قيمة الدولار فى السنوات الثلاث الأخيرة جعل البضائع الصينية منافسة، لدرجة أن أغلب دول العالم تعانى عجزا تجاريا مع الصين. وبالتالى زيادة طلب الصين على النفط لزيادة منتجاتها التى تلقى رواجاً كبيراً.
ونتيجة الضغوط الامريكية على الصين بدأت الصين مسيرة تحرير وتعويم عملتها، مما سيسهم ايضا بزيادة اسعار النفط اكثر، وذلك لان ارتفاع اليوان بمقدار 30 فى المئة مثلاً سيؤدى إلى تخفيض تكلفة النفط من وجهة نظر الشركات الصينية بمقدار 30 فى المئة، الأمر الذى سيؤدى إلى زيادة استهلاك النفط.
- الوضع الاقتصادى فى الهند: أدت الإصلاحات الاقتصادية إلى ارتفاع معدلات النمو الاقتصادى فى الهند لتتجاوز 8 % فى عام 2003، وتشير بيانات وكالة الطاقة الدولية إلى أن نمو الطلب على النفط سيزيد بمقدار 4%سنوياً حتى يصل استهلاك الهند إلى ضعف ما هو عليه الآن بحلول عام 2030 . وبلغ استهلاك الهند 2.2 مليون برميل يومياً فى عام 2003، ويتوقع أن يرتفع بمقدار 600 ألف برميل يومياً خلال السنوات الخمسة القادمة ليصل إلى 2.8 مليون برميل يومياً. وتستورد حاليا 700 ألف برميل يوميا ويتوقع أن يرتفع الحجم إلى 2.3 مليون برميل يوميا فى عام 2010.
- الطاقة القصوى لـ "اوبك": تسهم الدول الأعضاء فى منظمة الدول المصدرة للنفط "اوبك" بنصف صادرات العالم تقريبا من النفط الخام، وتحاول المنظمة الحفاظ على سعر النفط عن طريق رفع أو خفض سقف الانتاج الذى تحدده لكل دولة.
يرى محللون أن كافة الدول المنتجة والمصدرة للنفط الخام، من خارج منظمة "أوبك"، تنتج بطاقتها القصوي. أما الدول الأعضاء فى المنظمة فإن بعضها مازالت لديها المرونة لزيادة الإنتاج، ولكن مهما زادت اوبك انتاجها فانها لن تستطيع تلبية متطلبات السوق.
ويمكن للسعودية فقط، من بين الدول المصدرة للنفط، أن تسد النقص فى المعروض من النفط حتى عام 2006 تقريباً بعد ذلك فلن يتمكن احد من سد النقص لتبدأ المشكلة بالظهور.
يتبع
|