[color=#6600FF]
الصالحون على ثلاث طبقات
والمؤمنون يتفاوتون تفاوتا عظيما، فالصالحون على ثلاث طبقات:
الطبقة الأولى من طبقات المؤمنين: المقربون (السابقون
الذين يتقربون إلى الله بالنوافل بعد الفرائض، وهم الذين يؤدون الواجبات، ثم يفعلون المندوبات المستحبات، ويتركون المحرمات، ثم يتركون المكروهات، ويتركون فضول المباحات، هؤلاء السابقون المقربون من المؤمنين الصالحين، هم أخشى الناس وأتقى الناس بعد الشهداء وبعد الصديقين وبعد الأنبياء.
ثم يليهم الطبقة الثانية من المؤمنين: وهم المقتصدون (أصحاب اليمين)
الذين يؤدون الفرائض والواجبات، ولكنهم ليس عندهم نشاط في أداء النوافل والمستحبات، ويتركون المحرمات، ولكن ليس عندهم نشاط في ترك المكروهات، فقد يفعلون بعض المكروهات كراهة تنزيهية، ويتوسعون في بعض المباحات.
ثم يليهم المؤمنون الظالمون لأنفسهم، الذين قصروا في بعض الواجبات، أو اجترحوا بعض المحرمات
. الناس على هذه المراتب، أخشى الناس وأعلم الناس وأتقى الناس لربه نبينا وإمامنا وقدوتنا محمد -صلى الله عليه وسلم-، ثم يليه جده إبراهيم ثم موسى الكليم، ثم بقية أولو العزم، ثم بقية الرسل، ثم الأنبياء، ثم الصديقون وفي مقدمتهم الصديق الأكبر أبو بكر -رضي الله عنه-، ثم الشهداء، ثم الصالحون. وهم على هذه الطبقات: السابقون المقربون، ثم المقتصدون، أصحاب اليمين، ثم الظالمون لأنفسهم.
فالظالمون لأنفسهم عندهم أصل التقوى وأصل الخشية وأصل الإيمان، وأما الكافر فليس عنده شيء من الخشية وليس عنده شيء من الإيمان ولا من التقى، والله تعالى يقول: إنما يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ يعني: إنما يخشى الله الخشية الكاملة. وإلا فكل مؤمن فله نصيب من الخشية والتقوى، كل مؤمن حتى الظالم لنفسه عنده أصل الخشية وأصل التقوى، فإيمانه بالله يتقي به النار، يتقي به الخلود في النار، وإن دخل النار وعذب فيها قد يعذب وقد يسلم، الظالم لنفسه الذي مات مصرا على بعض الكبائر، مِن ترك بعض الواجبات وفعل بعض المحرمات -عنده أصل الخشية وأصل التقوى وهو الإيمان الذي يتقي به الخلود في النار، وقد يدخل النار وقد لا يدخلها.
والعلماء هم أخشى الناس لله -عز وجل-: إنما يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ
يعني: إنما يخشى الله الخشية الكاملة. وفي هذا تنويه للعلماء، والعلماء هم في مقدمة الذين أنعم الله عليهم بالعلم والعمل، فالعلماء الربانيون أنعم الله عليهم بالعلم، وأنعم الله عليهم بالعمل، فاتبعوا الصراط المستقيم، فصاروا يعبدون الله على بصيرة، وأما من علم ولم يعمل فهذا مغضوب عليه، ويدخل في ذلك دخولا أوليا اليهود الذين معهم علم ولم يعملوا به، فحل عليهم الغضب، ومن فسد من علماء هذه الأمة فله شبه باليهود، فهو مغضوب عليه.
ثم الفريق الثالث: الضالون الذين يعملون ولكن على غير بصيرة، يعملون على جهل وضلال، ويدخل في ذلك دخولا أوليا فرق النصارى في الغالب، الذين يعبدون على جهل وضلال، ومن فسد من عباد هذه الأمة من الزهاد والصوفية فهم يدخلون في الضالين.
فالناس طبقات ثلاث
: المنعم عليهم الذين يعلمون ويعملون، وهم الذين اتبعوا الصراط المستقيم،
والطبقة الثانية: المغضوب عليهم الذين يعلمون ولا يعملون، وهم الغاوون،
والطبقة الثالثة: الضالون الذين يعملون بدون علم، بدون بصيرة.
ولهذا فإن الله -سبحانه وتعالى- شرع لكل مسلم في كل ركعة من ركعات الصلاة أن يقرأ سورة الفاتحة، وفي آخرها هذا الدعاء العظيم، الذي فيه سؤال الرب -عز وجل- الهداية للصراط المستقيم، صراط المنعم عليهم، وسؤاله -سبحانه وتعالى- أن يجنبك طريق المغضوب عليهم الذين يعلمون ولا يعملون، وسؤاله -سبحانه- أن يجنبك طريق الضالين، وهم الذين يعملون بغير بصيرة: اهدنا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ .
فهذا الدعاء أفضل دعاء وأعظم دعاء وأجمع دعاء وأنفع دعاء، ولو كان هناك دعاء أنفع من هذا الدعاء لشرعه الله -سبحانه وتعالى- لنا، فلما شرع الله لنا هذا الدعاء، وجعل قراءة الفاتحة ركنا من أركان الصلاة في كل ركعة، دل على أنه ليس هناك دعاء أنفع من هذا الدعاء.
وحاجة العبد إلى هذا الدعاء إلى الهداية أعظم من حاجته إلى الطعام والشراب، بل أعظم من حاجته إلى النفس الذي يتردد بين جنبي الإنسان؛
لأن الإنسان إذا فقد الطعام أو الشراب وفقد النفس مات الجسد، والموت لا بد منه، ولا يضر الإنسان كونه يموت إذا كان مستقيما على دين الله وشرعه، لا يضره، الموت لا بد منه، لكن إذا فقد الهداية مات روحه وقلبه فصار من الخاسرين، فهلك وخسر خسارة لا يكسب بعدها أبدا، ولا حول ولا قوة إلا بالله.
وبهذا يتبين أن حاجة الإنسان إلى هذا الدعاء أعظم من حاجته إلى الطعام والشراب، بل أعظم من حاجته إلى النفس الذي يتردد بين جنبي الإنسان.
وهؤلاء الذين أنعم الله عليهم، الذين نسأل الله أن يوفقنا لسلوك صراطهم -وهو الصراط المستقيم- أربعة أصناف:
الصنف الأول: الأنبياء.
الصنف الثاني: الصديقون.
الصنف الثالث: الشهداء.
الصنف الرابع: الصالحون.
هؤلاء هم أهل الصراط المستقيم،
قال الله -عز وجل-: ومن يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا اهدنا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ المنعم عليهم فسروا في آية النساء: ومن يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ
والصالحون هم المؤمنون،
وهم ثلاث طبقات كما سمعتم: السابقون المقربون، وهم الذين أدوا الفرائض وتركوا المحارم، وأدوا النوافل والمستحبات، وتركوا المكروهات وفضول المباحات.
والطبقة الثانية (الصنف الثاني): المقتصدون أصحاب اليمين الذين تقربوا إلى الله بالفرائض وترك المحارم، دون الإتيان بالنوافل وترك المكروهات.
الصنف الثالث: الظالمون لأنفسهم. مؤمنون لا يشركون بالله شيئا، ولكنهم قصروا في بعض الواجبات فتركوها، واجترحوا بعض المحارم، ففعلوا الكبائر، فهم ظالمون لأنفسهم، وهم معرضون للوعيد وللعذاب، وهم داخلون في قول الله -عز وجل-: إن اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ فهم على خطر من دخول النار، منهم من يُعفى عنه من يعفو الله عنه، ويدخله الجنة من أول وهلة بتوحيده وإسلامه وإيمانه، ومنهم من تسقط عنه عقوبة جهنم بما يصيبه في القبر من الشدائد والعذاب، أو بما يصيبه في موقف القيامة من الأهوال والشدائد، ومنهم من يستحق دخول النار فيشفع فيه، ومنهم من يدخل النار،
بل تواترت الأخبار عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بأنه يدخل النار جملة من أهل الكبائر: مؤمنون مصدقون يصلون، ولا تأكل النار وجوههم لأنهم أصروا على كبائر وماتوا عليها من غير توبة، هذا يدخل النار لأنه مات مصرا على الزنا من غير توبة، وهذا يدخل النار لأنه مات على السرقة من غير توبة، وهذا يدخل النار لأنه مات مصرا على التعامل بالربا من غير توبة، وهذا يدخل النار لأنه مات على جحد حقوق الناس من غير توبة، وهذا يدخل النار لأنه مات على الغيبة من دون توبة، وهذا يدخل النار لأنه مات على النميمة من غير توبة، ومنهم من يطول مكثه في النار بسبب كثرة جرائمه أو فحشها وعظمها، ولكن مآلهم إلى الجنة والسلامة، لا بد أن يخرجوا من النار.
وقد تواترت الأخبار عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بأنهم يدخل النار جملة منهم، وأنه يُشفع فيه، وأن نبينا -صلى الله عليه وسلم- يشفع فيهم أربع شفاعات، في كل مرة يحد له يحد الله له حدا فيخرجهم من النار، وبقية الأنبياء يشفعون، والملائكة يشفعون، والشهداء يشفعون، والأفراط يشفعون، والمؤمنون يشفعون، وتبقى بقية لا تنالهم الشفاعة فيخرجهم رب العالمين برحمته، فيقول الرب -عز وجل-: شفعت الملائكة، وشفع النبيون، ولم يبق إلا رحمة أرحم الراحمين، ويخرج قوما من النار لم يعملوا خيرا قط، ويخرجون من النار ضبائر ضبائر حمماً قد امتحشوا وصاروا فحما، فيلقون في نهر الحياة يصب عليهم من الحياة، فينبتون كما تنبت الحبة في حميل السيل -يعني: البذرة-، فإذا هذبوا ونقوا أذن لهم في ادخلوا الجنة .
فإذا تكامل خروج العصاة عصاة الموحدين أطبقت النار على الكفرة بجميع أصنافهم: اليهود، والنصارى، والوثنيين، والشيوعيين، والمجوس، والمنافقون في الدرك الأسفل، تطبق عليهم فلا يخرجون منها أبد الآباد
كما قال عزوجل:-إنها عَلَيْهِمْ مُؤْصَدَةٌ مطبقة مغلقة، قال -سبحانه-: يريدون أَنْ يَخْرُجُوا مِنَ النَّارِ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنْهَا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُقِيمٌ وقال -سبحانه-: كذلك يُرِيهِمُ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ .
ولكن مع كونهم ظالمين لأنفسهم هم داخلون في المنعم عليهم، فالمنعم عليهم هم الأنبياء في الدرجة الأولى الأنبياء والرسل، والصديقون والشهداء والصالحون، ومن الصالحين الظالمون لأنفسهم ولو كانوا ارتكبوا الكبائر؛ لأن عندهم أصل الصلاح وأصل الإيمان والتقوى الذي يتقون به الخلود في النار، فهم داخلون في المنعم عليهم، ولكن العلماء الربانيون في الدرجة الأولى، العلماء الربانيون بعد الأنبياء، بل إن الأنبياء والصديقين والشهداء كلهم من العلماء، الرسل في مقدمة العلماء، في مقدمة العلماء الرسل، فإذن العلماء هم الرسل وأتباعهم، وهم في الدرجة الأولى في الرتبة الأولى من المنعم عليهم.
(المصدر السابق)