| مختصر كتاب الروح لإبن القيم ( الجزء الثاني ) المسألة الخامسة: كيف تتعارف الأرواح بعد مفارقة الأبدان ؟
الجـــــواب: أنها بعد مفارقتها الجسد تأخذ من بدنها صورة تتميز بها عن غيرها ، فإنها تتأثر ، وتنتقل عن البدن ، كما يتأثر البدن وينتقل عنها ، فيكتسب البدن الطيب والخبث من طيب النفس وخبثها ، وتكتسب النفس الطيب والخبث من طيب البدن وخبثه.
المسألة السادسة: وهي : أن الروح هل تعاد إلى الميت في قبره وقت السؤال أم لا تعاد؟
الجــــواب: قد جاء في الحديث الصحيح: قال البراء بن عازب: ( كُنَّا في جنازةٍ في بقيع الغرقـد ، فأتانا النبي فقعد ، وقعدنا حوله كأنَّ على رؤوسنا الطَّير ، وهو يلحد له ، فقال: " أعوذ بالله من عذاب القبر" – ثلاث مرات – ثم قال: " إن العبد المؤمن إذا كان في إقبالٍ من الآخرة ، وانقطاعٍ من الدنيا نزلتْ إليه ملائكةُُ ، كأنَّ وجوههم الشمسُ ، فيجلسون منه مدَّ البصر ، ثم يجيء ملكُ الموت حتى يجلس عند رأسه فيقول: أيتها النفس الطيبة ، أخرجي إلى مغفرةٍ من الله ورضوان.
قال: فتخرج تسيلُ كما تسيل القطرةُ مِن فِيِّ السّقاء ، فيأخذها ، فإذا أخذها لم يَدَعوها في يده طرفةَ عين حتى يأخذوها ، فيجعلوها في ذلك الكفن وفي ذلك الحنوط، ويخرج منها كأطيب نفحةِ مسكٍ وُجِدَتْ على وجه الأرض.
قال: فيصعدون بها فلا يَمُرُّونَ بها – يعني على ملأ من الملائكة – إلا قالوا: ما هذا الروحُ الطَّيِّبُ ؟ فيقولون: فلان بن فلان ، بأحسن أسمائه التي كانوا يسمونه بها في الدنيا ، حتى ينتهوا بها إلى السماء الدنيا ، فيستفتحون له ، فيفتح له ، فيشيّعه مِن كلِّ سماءٍ مٌقَرَّبُوها إلى السماء التي تليها ، حتى يُنتهى بها إلى السماء التي فيها الله تعالى ، فيقول الله عزّ وجلّ: اكتبوا كتاب عبدي في عِلِّيِّين ، وأعيدوه إلى الأرض ، فإني منها خلقتهم ، وفيها أُعيدهم ، ومنها أُخرجهم تارة أخرى.
قال: فتُعاد روحُه في جسده ، فيأتيه ملكان فيجلسانه ، فيقولان له مَن ربُّك ؟ فيقول : ربي الله ؛ فيقولان له: ما دينك ؟ فيقول: ديني الإسلام ، فيقولان له: ما هذا الرجلُ الذي بُعث فيكم ؟ فيقول رسول الله ، فيقولان له: وما عِلْمُك ؟ فيقول: قرأتُ كتابَ الله ، فآمنت به ، وصدَّقتُ ، فينادي منادٍ من السماء: أن صدق عبدي فأفرشوه من الجنة ، وافتحوا له باباً من الجنة ؛ قال: فيأتيه من ريحها وطيبها ، ويُفسح له في قبره مدّ بصره.
قال: ويأتيه رجلُُ حَسَنُ الوجه ، حَسَنُ الثياب ، طَيِّبُ الرِّيح ، فيقول: أبشرْ بالذي يسرُّكَ هذا يومك الذي كنت توعد ، فيقول له: مَن أنت ؟ فوجهُك الوجه الذي يجيءُ بالخير ، فيقول: أنا عملُك الصَّالح ، فيقول: ربّ أقمِ السَّاعةَ حتى أرجعَ إلى أهلي ومالي.
قال: وإن العبدَ الكافرَ إذا كان في إقبالٍ من الدنيا وانقطاعٍ من الآخرة ، نزل إليه من السماء ملائكةُُ سود الوجه ، معهم المسوح ، فيجلسون منه مد البصر ، ثم يجيء ملكُ الموت حتى يجلس عند رأسه فيقول: أيتها النفس الخبيثة ، أخرجي إلى سخطٍ من الله وغضب.
قال: فتتفرَّق في جسده فينتزعها كما يُنتزع السَفُّود من الصوف المبلول ، فيأخذها ، فإذا أخذها لم يَدَعُوها في يده طرفة عين ، حتى يجعلوها في تلك المسوح، ويخرج منها كأنتن ريحِ جيفةٍ وُجِدَتُ على وجه الأرض ، فيصعدون بها ، فلا يَمُرُّون بها على ملأ من الملائكة إلا قالوا: ما هذا الريح الخبيث ؟ فيقولون: فلان بن فلان ، بأقبح أسمائه التي كان يسمى بها في الدنيا ، حتى يُنتهى به إلى السماء الدنيا، فيستفتح له فلا يفتح.
ثم قرأ رسولُ الله : لا تُفَتَّحُ لَهمْ أَبْوَابُ السَّماءِ وَلَا يَدْخُلُونَ الجنَّةَ حَتَّى يَلِجُ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ (الأعراف: 40) فيقول الله عزّ وجلّ: اكتبوا كتابه في سِجّين في الأرض السفلى ، فتُطرح روحُه طرحاً ، ثم قرأ: وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأنَّما خَـرَّ مِنَ السَّمَاءِ فَتَخْطفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ (الحج: 31).
فتُعادُ روحُه في جسده ، ويأتيه ملكان فيجلسانه ، فيقولان له: مَن ربك ؟ فيقـول: هاه هاه لا أدري ، فيقولان له: ما هذا الرجلُ الذي بُعِثَ فيكم ؟ فيقول هاه هاه لا أدري ، " سمعت الناس يقولون شيئاً فقلته " فينادي منادٍ من السماء: أن كذب عبدي فأفرشوه من النار ، وافتحوا له باباً إلى النار ، فيأته من حرِّها وسمومها ، ويضيق عليه قبره حتى تختلفَ فيه أضلاعُه. |