|
الإيجاز في بيان أوجه الإعجاز في سورة ( الكافرون )
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على النبي الأمين، وآله وصحبه أجمعين، وبعد :
فقد سألني أحد الأخوة النجباء، والأدباء الأذكياء، عن وجه الإعجاز في سورة ( الكافرون ) والتي لا يظهر فيها عنده وجه الإعجاز؟!
وقد أجبته إجابة مختصرة مضمونها أن عدم الإتيان بمثلها كاف في إثبات إعجازها مع ما يتراءى لنا من سهولة النظم على مثالها، ثم لما تدبرت فيها من الغد إتباعا لقول الله تعالى ( أفلا يتدبرون القرآن أم على قلوب أقفالها) ظهر لي من أوجه الإعجاز البياني ما لم يخطر لي من قبل فشرعت أكتب تلك الخواطر من بعد صلاة الفجر إلى صلاة العصر حتى جاءت هذه الرسالة اللطيفة ، وفي الآية أوجه أخرى لمن أنعم فيها النظر ، وأجال فيها الفكر، وهذه بعض أوجه الإعجاز فيها :
الوجه الأول: أن التحدي والإعجاز تحققا عند عدم الإتيان بسورة على نحو هذه السورة، بقطع النظر عن البحث في وجه الإعجاز فيها، إذ عدم الإتيان هو الإعجاز ذاته، وقد كان باستطاعة المشركين أن يبطلوا دعوى النبي e من أساسها بالإتيان بسورة من مثله، دون أن يسفكوا دماءهم، ويبذلوا أموالهم، وكان الإتيان بسورة واحدة كاف في إبطال الدعوى مع ظهور التحدي أولا بالإتيان بمثل القرآن ثم بعشر سور مثله مفتريات ثم بسورة واحدة كما في قوله تعالى) قل لئن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القران لا يأتون بمثله ولوكان بعضهم لبعض ظهيرا )) [الكهف88] (( قل فاتوا بعشر سور مثله مفتريات)) [هود 13]، (( قل فأتوا بسورة مثله وادعوا من استطعتم من دون الله إن كنتم صادقين))[يونس 38] ((فأتوا بسورة من مثله وادعوا شهداءكم من دون الله إن كنتم صادقين * فإن لم تفعلوا ولن تفعلوا....)) [ البقرة 23-24].
فلما لم يأتوا بشيء من ذلك، مع كون العرب أئمة البيان، وأهل اللسان، وأصحاب اللغة وأربابها، وآل الفصاحة وأصحابها، حتى نظموا من الشعر وقرضوا منه ما لم تقرضه أمة من الأمم كما نص على ذلك المؤرخ الفرنسي ( جوستاف لويون) في كتابه (حضارة العرب)، وبلغ عنايتهم بعلوم اللسان، وفنون البيان، من شعر ونثر أن عقدوا لها الأسواق ليتباروا فيها أيهم أفصح لسانا، وأبلغ بيانا، حتى عبروا عما يعنيهم من أمورهم، وما تختلج من المعاني في صدورهم، وصوروها شعرا ونظما، كأنما يراها السامع رأي العين شكلا ورسما، وأخرجوها بأشعارهم من حيز المعنويات، إلى حيز الماديات، والمصورات المشاهدات، مما يقطع معه أن التحدي وقع لهم فيما يحسنونه وينظمونه، وكان أسهل عليهم أن يأتوا بسورة من مثله من تعرضهم للقتل والحرب، مع طول المدة والمهلة.
الوجه الثاني: إن الإعجاز هو في صرفهم عن الإتيان بمثل هذا القرآن، أو بعشر سور مثله، أو بسورة واحدة، فصارت كل سورة من سوره ـ مهما كانت قصيرة يتراءى للنفس إمكان الإتيان بمثلها ـ معجزة بذاتها لا يستطيع الخلق أن يأتوا بمثلها إلى قيام الساعة(( فإن لم تفعلوا ولن تفعلوا)) مع عدم وجود ما يحول دون الإتيان بمثلها حساً وطبعاً، ومع استمرار وجود أعداء الرسالة، وقيام التحدي لهم في كل عصر، ومع استهزائهم بالقرآن وسوره، وادعائهم أنه مفترى، وأنهم يستطيعون الإتيان بمثله، وأنه أساطير الأولين اكتتبها فهي تملى عليه بكرة وعشيا، ومع ذلك كله لم يأت أحد منهم بسورة واحدة يبطل بها التحدي، فكان صرف الخلق عن ذلك هو المعجز، وهو الإعجاز الدال على صدق الرسول، وصدق الرسالة، وأنها حق من عند الله، فاستوى بذلك القرآن كله، والسورة القصيرة منه،
إذ التحدي وقع في هذا وهذا ،ولم يأت أحد بمثل ذاك و لا ذا ، وهو أمر خارج عن العادة الإنسانية، ومصادم للسنن الاجتماعية، في اجتهاد الخصم والعدو في إبطال دعوى خصمه ونقضها بكل وسيلة يقدر عليها، ولما جبل عليه الإنسان بطبيعته من حب الظهور والظفر فيما هو أدنى من ذلك، فكيف بمثل هذا الأمر العظيم الذي تبطل به الأديان التي هي أحب عند أبتاعها من النفوس والأموال؟!
وإذا كان( الحدوث دليل الإمكان ) وكان القرآن والسورة الواحدة منه من جنس كلام العرب، وكان من جاء به واحداً منهم، وبشراً مثلهم، فقد أصبح في حيز الإمكان أن يأتوا هم بمثله عادة، وخرج بذلك عن أن يكون مستحيلا عادة وعقلا الإتيان بمثله أو بسورة واحدة منه ، وإذا لم يكن مستحيلا فقد وقع إذن التحدي فيما هو ممكن، إذ نظم ست عبارات مثل آيات ( الكافرون ) لا يستحيل عادة ولا عقلا، إذ هو كلام عربي مبين، واضح المعاني، سهل المباني، فكان عدم الإتيان بمثل هذه السورة وغيرها من سور القرآن القصار، هو المعجزة الظاهرة التي لا إعجاز أوضح منها ولا أظهر، سواء أقيل الله هو الذي يحول بينهم وبين الإتيان بمثلها ويصرفهم عن ذلك، أم قيل إن الله خلى بينهم وبين ذلك فلم يستطيعوا، إذ الإعجاز تحقق بعدم الإتيان في حد ذاته بقطع النظر عن أسبابه.
الوجه الثالث: أن القرآن والسورة الواحدة منه كله كلام الله، وهذا أصل الدعوى وأساسها (( قل إنما أنا بشر مثلكم يوحى إليه )) ((إنا علينا جمعه وقرآنه فإذا قرأناه فاتبع قرآنه )) (( فأجره حتى يسمع كلام الله )) وإذا كان العقل يقطع بأن ذات الخالق لاتشابه ذوات المخلوقين، فصفاته قطعاً لا تشابه صفاتهم، وكلامه لا يشبه كلامهم، وهذا بدلالة العقل الذي يقطع بأن لا موجود بلا موجود، ولا حادث بلا محدث، ولا مخلوق بلا خالق يتصف بصفات الكمال المطلق.
فإذا ثبت ذلك بدلالة العقل، وثبت أن إرسال الرسل وإنزال الكتب معهم لهداية الخلق إلى خالقهم هو من الممكنات العقلية، وأن خطاب الخالق إلى المخلوق في حيز الإمكان العقلي، وإذا ثبت لدى أهل الأديان قاطبة على اختلاف مللهم ونحلهم السماوية والأرضية أن الله أرسل كثيراً من الرسل لهداية الخلق، وأنزل على بعضهم كتبا، وأوحى إليهم، وكلمهم، وكان حدوث ذلك كله دليل إمكانه، وكان آخرهم وهو محمد صلى الله عليه وسلم قد أخبر بأن ما جاء به من قرآن هو من عند الله ومن كلامه ووحيه، والدليل عليه هو أن الخلق كلهم لو اجتمعوا ما استطاعوا أن يأتوا بمثله ولا بسورة واحدة، لأنه كلام الله، ثم لم يأتوا فعلا بمثله، كان ذلك أوضح حجة على أن هذا القرآن كلام الله حقا، يستوي بذلك القرآن كله، والعشر سور منه، والسورة الواحدة القصيرة، إذ كلام الله ليس ككلام خلقه، كما أن ذاته ليست كذواتهم (( ليس كمثله شيء)) فالسبب في عدم قدرة العرب والخلق كافة على الإتيان بسورة واحدة قصيرة كمثل( الكافرون ) هو كونها من كلام الله وكفى، والبرهان على ذلك هو عجز الخلق قاطبة عن الإتيان بمثلها، ولا تفسير لذلك بداهة إلا كونها من كلام الله، والإتيان بمثل كلام الله خارج عن حيز الإمكان العقلي، إذ يستحيل عقلا مماثلة المخلوق للخالق في ذاته أو صفاته، فصار القرآن من حيث هو كلام الله يستحيل أصلا الإتيان بمثله عقلا، وخارجا عن حيز الممكنات، ومن حيث هو كلام عربي مبين، يتلوه رجل عربي أمي، بألفاظ وحروف من جنس ما يستخدمه العرب في كلامهم، في حيز الإمكان وفي نطاق قدرتهم، فكان التحدي بذلك أظهر.
الوجه الرابع: إن أسلوب القرآن ونمطه لا عهد للعرب به، فلا هو بالشعر، ولا هو بالنثر ،بل هو قرآن لا يشابه كلامهم مع كونه من جنس كلامهم، ومن مفردات لغتهم، بل إنه لا يشابه كلام النبي e فالفرق بين القرآن والحديث النبوي فرق ظاهر جلي مع كونهما وحي من الله ((وما ينطق عن الهوى* إن هو إلا وحي يوحى))[النجم: 3-4] إلا أن القرآن كلام الله وخطابه، والحديث النبي كلام الرسول وبيانه عن الله تعالى.
وكذلك الفرق بين كلام النبي e وكلام أصحابه واضح جلي، لا يكاد يخفى على من يعرق كلامه وأسلوبه ونمطه، وكذا الفرق بين كلام أصحابه وكلام أتباعه، ولهذا يسهل على أهل العلم المتخصصين أن يميزوا بين كلام النبي e وكلام من سواه بالنظر للفظ والأسلوب، كما يستطيع أهل الشعر أن يميزوا بين قصائد الشعراء لمعرفتهم بأسلوب كل شاعر ونمطه، بل ربما استخرجوا من القصيدة الواحدة ما زيد فيها من أبيات ليس منها لكونها ليست من نمطها، ولا يكاد يختلط على أهل الشعر والأدب والنقد شعر أبي الطيب بشعر أبي العتاهية، ولا شعر أبي تمام بشعر البحتري، فضلا عن أن يختلط عليهم شعر أهل الجاهلية بشعر من بعدهم، وشعر العصر الأموي بالعصر العباسي الثاني .
وكذا يستطيع أهل التخصص من الأدباء والفصحاء معرفة أسلوب الرافعي وتميزه عن أسلوب المنفلوطي، وأسلوب العقاد من أسلوب طه حسين، فلكل كاتب وشاعر أسلوبه ونمطه وطريقته التي هي كالبصمة لا يستطيع التخلص منها ولا انتحالها إلا على وجه من التكلف الذي يكشف حقيقة التقليد ،وإذا كان الأمر كذلك كان محاكاة كلام الله أمرا ظاهرا لا يخفى، والتحدي إنما هو في المثلية (( بسورة من مثله)) والمثلية تقتضي المطابقة والمماثلة على وجه لا يمكن معه التمييز بينهما.
ونحن نرى الفرق ظاهراً جلياً بين القرآن والحديث النبوي بحيث لا يخفى الفرق بينهما على من له أدنى معرفة في القرآن والسنة، ولو كان في مقدور أحد من البشر أو العرب أن يتأثر خطا القرآن ويتأثر أسلوبه ونمطه لكان ذلك في مقدور النبي e ، فقد كان أفصح العرب قاطبة، وكان يتلو القرآن بكرة وعشيا مدة ثلاث وعشرين سنة، ومع ذلك كله لم يقع في كلامه e - مع كثرة ما تواتر عنه وما حفظ من كلامه- ما يشابه القرآن ولو في عبارة واحدة مع أنه أوتي جوامع الكلم؟!
وهذا ما يجده المسلمون في أنفسهم ،فإنهم يحفظون القرآن عن ظهر قلب، ويتلونه ليل نهار، ويخرج منهم الشعراء، والخطباء، والكتاب، وأئمة اللغة، وأرباب البيان، ثم لا يكاد أحدهم يواطئ أسلوبه أسلوب القرآن، ولا نمطه، ولو مصادفة بلا قصد ؟! مع أن من يحفظ ديوان شاعر، ويعتني بشعره، ويكثر من ترديده، يستطيع محاكاته وتقليده، بل يتأثر أسلوبه ونمطه من حيث لا يشعر.
ولا تفسير لهذه الظاهرة اللغوية في القرآن وأسلوبه ونمطه إلا كونه كلام الله تعالى، فظهر بذلك أن أسلوب السورة القرآنية القصيرة كسورة (الكافرون)، ونمطها، ونظمها، معجز في حد ذاته، لا يستطيع أحد الإتيان بمثله، إذ السور القصيرة كالسورة الطويلة، وكالعشر سور، وكالقرآن كله، على نمط واحد، وأسلوب واحد، وهذا ما يدركه كل عربي بداهة بسليقته، فمهما اختلفت السور في مضامينها، ومعانيها، وقضاياها التي اشتملت عليها، إلا إن أسلوبها ونمطها واحد، لا هو بالشعر ولا بالنثر، بل نمط آخر هو القرآن.
متابعة الموضوع في الأسفل ........
.
|