ويبقى القلبُ طفلاً..
بدأتُ أقتل الألم بيديَّ، وأحاصرهُ، حتى لا يجد مفراً يوسعني فيه ضرباً، إلا ذلك القلب الذي أحكمتُ إغلاقه الآن ووضعتُ على بابه سجانان، لكلٍ منهما سوطٌ يزجر به شيئاً ما كان يُسمى أملاً.
وكان يأتيني مع شدو البلابل كل صباح، وضحكات الغيم المبتلة ماءً تقرعُ على نافذتي باستحياء، أن هيّا إلينا وتعالي لتغرقي أملك في خِضّمِّ حياتنا، فينتَعش.
تعالي واسكبي من مدادكِ ما يحلق بنا عالياً عالياً نلقَ الأمل.
...
رسالةُ طفلتي بثَّتَها إليّ ولم تُكمِل..
حرقةٌ عظيمة امتلأ بها جوفي، وثارت براكين خوفي واضطرابي.
زلزالٌ مدمِّرٌ فتكَ بقلبي حين قرأتُها.
طفلةٌ.. من نور عينيها تستمدُّ الشمسُ ضيائها، يعبثُ النسيم بخصلاتِ شعرها الذهبية لتلفَّ بلطفٍ محاولةً تقبيل خدها الأملس.
لم تكن تعرف من العالم الخارجي سوى الطريق الواصلة بين بيتها والمدرسة. كان لها حلماً وردياً ترسُمُ فيه خطاً جديداً كلّ مساء، وتتوه بين طياتِه لترى الورود حقولاً مصفوفة، والفراشات تتسابق أيُّها يقبِّل جبينها أولاً. وتغرق طفلتي في بحر ذاك الحلم، ولم أكن أخشى عليها فكلي ثقة بما ترسم روحُها.
طفلتي الآن كبُرَت، وما زال حلُمها يعانق وسادتها كل مساء، ويدعوها باطمئنان لترسم فيه لوحاتها التي ملأت جدران غرفتها، لتنتقل لجميع جدران المنزل والمدرسة أيضاً.
طفلتي الجميلة قادرة على بثِّ روح الصفاء أينما ارتحلت، لأنها الصفاء والأمل، ثقتها بنفسها كانت كبيرة جداً، ونسيتُ أن أحذرها من العجب، فتحامل على فكرها الطاهر كثعبانٍ يجثُم بقوة وينفثُ سمّه.
خشيتُ عليها كثيراً فهي بنظري لازالت طفلة رغمَ أنَّها أتمّت عقدها الثاني لتزرع في الثالث بضعَ زهرات ندية، كانت كفيلة لتأخذها من حضن أمِّها وترتمي في بيت يُسمى بيت الزوجية.
طفلتي الصغيرة.. قد أسستُ بنيان فكرها جيداً، وأرستُها مع القمر بعيداً بعيداً عن قلبي في بلادٍ غير البلاد وعبادٍ غير العباد.
أنا لم أنسَ أنَّها طفلة بعد، لذلك كان خوفي عليها شديداً، وذلك الثعبان الرَّابض على قلبها أرهبني، وكان لي معه جولات وجولات قبل أن أصرعهُ أخيراً واطرده بعيداً، لأرسلها بأمان رفيقةَ القمر.
رفيقةُ القمر كانت تُقَبِّلُ جبيني كل مساء، وتصافحُ ابتسامتها الندية قلبي، لأجد الفرحَ نهرٌ عذب يسقي فؤادي.
عندما سافرت كانت تأتيني رسائلها كقبلة المساء أضمُّها وأشتَّمُ عبق الفرح يسري لقلبي من شذاها.
ورسالةُ اليوم كانت تلك القبلة.. بل القنبلة.
لكأنَّها ريح شتاءٍ قارس، قذفت بقلبي بعيداً، ومزَّقت روحي، وشَّلت تفكيري.
.. ربَّــــــــــاه ارحم طفلتي والطف بها ..
لم أكن أملكُ حينها إلا الدعاء، خشيتُ أن أسمع صوتَها فيصبّ عليّ من تلك الكلمات ما لا أحتملُه، فأنا أعترفُ أن قلبي بات ضعيفاً جداً وطفلتي إذ تعلمُ هذا فهي إذاً لم تذكر مما تعاني شيئاً، بل هذا كان نفثة بسيطة، تعتبرها الآن حماقة أن لم تستطع كتمانها عنّي. وأنا أكيدةٌ بأن ما تُخبِّئه طفلتي أعظم وأشد، كما أني أعلمُ أن قلبها الرقيق لن يحتمل كثيراً.
قلبٌ لم يعرف سوى الشمس والربيع يحتفلان به وفراشات العمر تطير برحابه، فيكبر.. ويبقى القلب طفلاً.
...