قال الله-تعالى-: {وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُورًا} [الفرقان: 62]، فقد جعل الله تعالى الليل والنهار يتعاقبان، فيخلف كل واحد منهما الآخر، لمن أراد أن يذَّكر، أي: يستدرك مافاته من عمل هذا مع كثرة تكرر هذا التعاقب وقرب زمانه فكيف أيها الإخوان بتعاقب الشهور وتوالي السنين؟ أليس ذلك مدعاة للتذكر والتفكر والاستدراك؟ بلى والله، فهذه دعوة لنا جميعًا أن نتوب إلى الله-تعالى-، ونستدرك ما فات، فإنما الأعمال بالخواتيم.
فهل لك أن تمحو الذنوب بعبرة وتبكي عليها حسرة وتندما
وتستقبل العام الجـديد بتوبة لعلك أن تمحو بها ما تقدما
أيها المؤمنون: أنتم في شهر عظيم شرَّفه الله-تعالى-، وخصَّه دون سائر الشهور بأن أضافه إليه، فاحفظوا حرمة هذا الشهر، فإنه من الأشهر الحرم التي قال الله تعالى فيها: {مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ}[ التوبة 36]، فبادروا عباد الله بالأعمال الصالحة فيه؛ لاسيما الصيام، فعن أبي هريرة-رضي الله عنه- قال: قال رسول الله-صلى الله عليه وسلم-: (أفضل الصيام بعد شهر رمضان شهر الله الذي تدعونه المحرم).
شهر الحرام مبارك ميمون والصوم فيه مضاعف مسنون
فأكثروا فيه من الصوم، فإن ضعفتم عن ذلك؛ فلا يفوتنكم صيام يوم عاشوراء، أي: يوم العاشر منه، فإن فضيلته عظيمة، وحرمته قديمة، وكان النبي-صلى الله عليه وسلم- يداوم ويتحرَّى صيامه، فعن ابن عباس-رضي الله عنهما- أنه سُئِل عن صوم يوم عاشوراء، فقال: ما رأيت النبي-صلى الله عليه وسلم- يتحرَّى صيام يوم فضله على غيره؛ إلا هذا اليوم يوم عاشوراء، وهذا الشهر،-يعني شهر رمضان-، رواه الشيخان. وكان-صلى الله عليه وسلم- يحثُّ عليه ويأمر به، فعن أبي قتادة-رضي الله عنه- أن النبي-صلى الله عليه وسلم-: سُئِل عن صيام يوم عاشوراء، فقال: (يكفِّر السنة الماضية)(23).
وأما سبب صومه: فعن عبدالله بن عباس-رضي الله عنهما- قال: قدم رسول الله-صلى الله عليه وسلم- المدينة، فرأى اليهود تصوم عاشوراء، فقال: (ما هذا؟)، قالوا: هذا يوم صالح نجَّى الله فيه موسى وبني إسرائيل من عدوهم، فصامه، فقال: (أنا أحق بموسى منكم)، فصامه-صلى الله عليه وسلم- وأمر بصيامه، رواه البخاري ومسلم. فهذا يوم أعزَّ الله فيه أولياءه وأحبابه، وأذلَّ أعداءه وأعداء رسله؛ فلذا نحن نصومه شكرًا لله-تعالى- على ذلك، فنصر موسى-عليه السلام- هو نصر لنا أمة الإسلام، قال الله-تعالى-: {إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ} [الأنبياء: 92].
فمن قال: لا إله إلا الله، وقام بتوحيد الله وصدق رسله، ودعا إليه؛ فهو منا ونحن منه، مهما تباعد الزمان ونأى المكان: {وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ} [المؤمنون: 52].
وبإحياء ذكرى ذلك النصر المجيد على ذلك الطاغية الكبير؛ نعلن أن الدعوات لا تُهْزَم بالأذى والحرب والاضطهاد؛ فإن عاقبة الظلم وخيمة، والله ناصر دينه وكتابه وأوليائه
تالله ما الدعوات تُهْزَم بالأذى أبدًا وفي التاريخ بَرُّ يميني
إن من المعالم البارزة في شريعتكم مخالفة أعداء الله-تعالى- وعدم التشبه بهم، لذا فإن النبي-صلى الله عليه وسلم- حرص على مخالفة اليهود والنصارى وغيرهم من الكفار في دقيق الأمر وجليله، ومن ذلك صيام عاشوراء، فعن عبدالله بن عباس-رضي الله عنهما- قال: حين صام رسول الله-صلى الله عليه وسلم- يوم عاشوراء وأمر بصيامه، قالوا: يا رسول الله، إنه يوم تعظِّمه اليهود والنصارى، فقال: (فإذا كان العام القابل إن شاء الله صمت اليوم التاسع) ، فلم يأت العام المقبل حتى توفي رسول الله-صلى الله عليه وسلم-، رواه مسلم.
فصوموا أيها المؤمنون اليوم العاشر من هذا الشهر، وصوموا اليوم التاسع كما همَّ نبيكم-صلى الله عليه وسلم- أن يفعل ذلك.
نقلًا من موقع الشيخ: خالد المصلح-حفظه الله-