بسم الله الرحمن الرحيم
وبه نستعين.
(اللهم بارك لكاتب الموضوع )
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين وبعد:
لا أريد أن أكتب بحثاً فأضعُ فصولاً وأبواباً ، وإنما أريد أن أتناول موضوعاً عملياً كثيراً ما نلاحظه في حياة جمع من المسلمين على مختلف مستوياتهم، وقد يشكو منه البعض،ولا يحس به البعض الآخر، وقد يتصور فريق آخرُ بأنه ظاهرةٌ صحيةٌ بسبب تدليسِ الشيطان وتزيينِه له؛ ولهذا لن أتحدث عن تعريف التقاعس أو تعريف الفتور وتقسيماته، وورودِ لفظه في كثير من الآيات القرآنية والأحاديث النبوية ، وإنما حديثي هو متابعةُ وملاحظة للذين يتساقطون في ثنايا الطريق عن متابعة أمر الدعوة والمشاركةِ فيها، في هذهالفترة التي نعيشها الآن فقط، ويبررون لأنفسهم، ويرون أن مبرراتهم وجيهةٌ ومقبولة،.فهذه المبررات التي جمعتها مبنيةٌ على المتابعة والتمحيص، ولا أشك أنه قد فاتني الشيءُ الكثير من الأسباب والعلل التي عاقت أولئك النفرَ عن متابعة الطريق.
ولا أقصدفي حديثي هذا، أولئك الذين يقفون لِيُحضروا أنفسهم ويعدوها للعمل،ويحاسبوا أنفسهم, روى أحمد عن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍوقَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: لِكُلِّ عَمَلٍ شِرَّةٌ، وَلِكُلِّ شِرَّةٍ فَتْرَةٌ، فَمَنْ كَانَتْ فَتْرَتُهُ إِلَى سُنَّتِي فَقَدْ أَفْلَحَ، وَمَنْ كَانَتْ إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ فَقَدْهَلَكَ.
جاء في تاج العروس: يقال: تقاعس الرجل عن الأمر: تأخر ولم يتقدم فيه.
وجاء في لسان العرب: تقاعس: تأخر ورجع إلى خلف.
اما للقاعدين المتقاعسين عن طرق الخير أعذار كثيرة تختلف باختلاف الأفراد والبلدان والأحوال ومن أبرزها:
1 - التعللُ بكبر السن كأن يقول أحدهم: كبر سني ورق عظمي ويكفي ما قدمت، ويتصور هذا أن الدعوة يعتريها التقاعد ُوالإحالةُ على المعاش! أما علم أن القافلةَ سائرةٌ ونهايتهاالجنة، فإن تقاعد عنها فلا يلتفت إليه، وأنه ليس سنٌّ محددة ٌللعمل الصالح.
قال تعالى : ﴿واعبدربك حتى يأتيك اليقين﴾قال الحسن البصري لم يجعل الله للعبد أجلا في العمل الصالح دون الموت.
وعن أنس: أن أبا طلحةالأنصاري قرأ سورةَ براءة، فلما أتى على هذه الآية: ﴿انْفِرُوا خِفَافاً وَثِقَالاً﴾قال أرىربَّنا عز وجل يستنفرنا شيوخاً وشباباً، جهزوني أي بني، فقال بنوه: يرحمك الله قد غزوت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم حتىمات، ومع أبي بكر حتى مات، ومع عمر ،فنحن نغزو عنك، فأبى فجهزوه فركب البحر فمات، فلم يجدوا له جزيرةً يدفنونه فيها إلا بعد سبعةِ أيام فلم يتغير فدفنوه فيها.
ونظرة في سيرالأنبياء نجد أنهم لم يبعثوا إلا بعد الأربعين، وما زالوا في دعوتهم حتى الموت، وعمر بن الخطاب طعن ورأى الموت،ومع ذلك لم ينقطع عن العمل بل إنه ليواصلُ عملَهُ في صالح المسلمين وجرحُهُ يثعبُ دماً، فقد اختار مجلس الشورى ممن توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو عنهم راض.
2 - والبعضُ ينشغلُ فيطلب الرزق ويُذهِبُ جلَّ وقته فِيه ويتعللُ بقلة ذات اليد وحاجةِ الأولاد. ونسي أن رزقه مكفولٌ له، وأن طلبَ الرزق لم يمنع الصحابةَ والتابعين وسلفَ الأمة من الدعوة والمساهمة في طرق الخير والإصلاح.
قال صلى الله عليه وسلم: (إن روحَ القدسِ نفثَ في رُوعي أنه لن تموتَ نفسٌ حتى تستكملَ رزقَها،فاتقوا الله وأجملوا في الطلب، ولا يحملنكم استبطاءُ الرزق أن تطلبوه بمعصية الله، فإن ما عند الله لا ينالُ إلا بطاعته) رواه ابن ماجه وابن حبان والحاكم وأبو نعيم عن جابر، والبزار عن حذيفة، والحاكم عن ابن مسعود، وأبو نعيم عن أبي أمامة.
3 - الانشغال بالوظيفة فيذهبُ زَهرةُ وقته فيها، ويعتذر بأنه لا يستطيع أن يشاركَ فيخير ما دام عملُهُ هكذا، أو يجير وظيفتَهُ ويحسبُها في إطارالدعوة ويخادع نفسه بذلك، وهو لا يقدم شيئا من الأمر بالمعروف ولا النهي عن المنكر، ولاشك أن الوظيفة من وسائل الدعوة إن استغلها ووظفها في ذلك، قال سفيان بن عيينة: من أصلح ما بينه وبين الله أصلح الله ما بينه وبين الناس، ومن عمل لآخرته كفاه الله أمر دنياه.
4 - يقول البعض بأنه فاته القطارُ، وتجددت الوسائلُ وتغير الزمانُ، وأصبح لا يحسن العمل َفي هذه الظروف!
وهذا لضعفِ الشعورِ بالمسؤوليةِ،وتبلدِ الإحساس، وتجمدِ الحماس.
عن مالك بن دينارقال: إن صدور المؤمنين تغلي بأعمال البر، وإن صدور الفجار تغلي بأعمال الفجور، والله تعالى يرى همومكم فانظروا ما همومكم رحمكم الله.ولو كان قلب هذا يغلي أو فيه هم للآخرة لعرف كيف يخدم دينه.
5- إفساح المجال للآخرين: هذه يتعلل بها كثير من المتقاعسين وكأن المجال فيه ازدحامٌ، حتى أصبح هوعقبةً في طرقِ الخير، وليت هذا أفسحَ المجالَ للآخرين فيطلب الرزق والوظيفة والتي عليها قطاراتٌ من الناس ينتظرون وظيفتَهُ تشغر!.
قال تعالى : ﴿وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَس ِالمُتَنَافِسُونَ﴾، وقال سبحانه في وصف المؤمنين: ﴿أُوْلَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الخَيْرَاتِ وَهُم ْلَهَا سَابِقُونَ﴾. وكان عمر رضي الله عنه يحاول جاهداً مسابقة أبي بكر في الخير.
يتبعــــــــــــــــ>>