الوقت هو حياة الإنسان وعمره الذي هو أنفاس تتردد وتتعدد وآماله التي تضيع إن لم تتحدد فدقات قلب المرء في صدره تشعره في كل لحظة بأن الحياة دقائق وثوان تمر به متوالية متتابعة في ساعات وأيام وشهور وأعوام كلما ذهب منها شيء ذهب معه عمره حتى ينتهي به ذلك إلى الدار الآخرة إما إلى جنة وإما إلى نار أجارنا الله منها
فحري بالمسلم أن يصرف أوقاته ولحظاته فيما يعود عليه بالنفع والفائدة في الدنيا والآخرة والوقت أخواتي يمر سريعا كمر السحاب فما كان من وقت الإنسان لله في طاعته ومرضاته وعبادته فهو حياته وعمره وما ضاع في اللهو والغفلة ونحو ذلك فليس محسوبا من حياته وإن عاش فيه عيشة الملوك المترفين أو البهائم المهملين الوقت أنفس ما عني الإنسان بحفظه والحرص عليه فهو أغلى من كل نفيس لأنه هو الحياة والعمر والإنسان يفتدي عمره بكل ما يملك من غال ونفيس حتى قال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه (ما ندمت على شيء ندمي على يوم غربت شمسه نقص فيه أجلي ولم يزدد فيه عملي )
وما نلحظه في زماننا هذا الجهل بقيمة الوقت والتفريط فيه حيث ماتت الهمم في المسلمين وخارت العزائم وتعودت النفوس على الدعة والراحة والكسل تمر الساعات والأيام والشهور ولا يحسب لها حساب قال الإمام ابن الجوزي رحمه الله (رأيت عموم الخلائق يدفعون الزمن دفعا عجيبا إن طال الليل فبشيء لا ينفع وإن طال النهار فبالنوم المغرق وهم في أطراف النهار على دجلة أو في الأسواق ولقد شاهدت خلقا كثيرا لا يعرفون معنى الحياة فمنهم من يخلو بلعب االشطرنج ومنهم من يقطع الزمان بكثرة الحواديث فعلمت أن الله تعالى لم يطلع على شرف العمر ومعرفة قدر أوقات العافية إلا من وفقه وألهمه اغتنام ذلك)
إن الفراغ أخواتي من أجل نعم الله تعالى على عباده وليتذكر إذا صرفت لله وحده دون سواه قال المصطفى صلى الله عليه وسلم ( نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس الصحة والفراغ)رواه البخاري
فإذا توفرت لكي أختي الصحة و الفراغ ولم تحسني استخدام ذلك في العمل المبرور والسعي المشكور فهذا هو الفشل الذريع والخسران المبين وإن من أكبر علامات المقت إضاعة الوقت فيما لا نفع فيه ولا فائدة منه وكثير من المفاسد العظيمة سببها الفراغ الذي لم يحرص على استغلاله والمحافظة عليه ولقد قال بعض الحكماء (من أمضى يومه في غير حق قضاه أو فرض أداه أو مجد حققه أو حمد حصله أو خير أسسه أو علم اقتبسه فقد عق يومه وظلم نفسه
رأس مالك في هذه الحياة دقائق وثوان وأيام وشهور فماذا قدمت فيها من أعمال صالحة وماذا سجلت في صحائف أعمالك هل تسرك إذا نظرت إليها يوم القيامة أم تسوؤك فالكيس من حفظ وقته واستغله فيما يعود عليه بالنفع والخلاص من النار فمن خاف أدلج ومن أدلج بلغ المنزل وسلعة الله غالية والنار لا ينام هاربها والجنة لا ينام طالبها قال بعض السلف (ما من يوم ينشق فجره إلا وينادي يا ابن آدم أنا خلق جديد وعلى عملك شهيد فاغتنمني فإني إذا مضيت لا أعود إلى يوم القيامة) وذلك ما أكد عليه النبي صلى الله عليه وسلم بقوله لعبد الله ابن عمرو (اغتنم خمسا قبل خمس شبابك قبل هرمك وصحتك قبل سقمك وفراغك قبل شغلك وغناك قبل فقرك وحياتك قبل موتك )رواه الحاكم والبيهقي ولن تزول قدما عبد يوم القيامة حتى يسأل عن عمره فيما أفناه وعن شبابه فيما أبلاه كما صح بذلك الخير عن المصطفى صلى الله عليه وسلم وهناك تسكب العبرات وتكثر الحسرات على أوقات ضيعت ولحظات ذهبت في غير طاعة الله } حتى إذا جآء أحدهم الموت قال رب ارجعون لعلي أعمل صالحا فيما تركت كلا إنها كلمة هو قآئلها ومن ورآئهم برزخ إلى يوم يبعثون)