رفض تكفير الحكام الذين لا يحكمون بما أنزل الله
وفي الوقت الذي كان كبار علماء المؤسسة الوهابية الجديدة يكفرون حكاماً عرباً و مسلمين بالتعيين و طوائف كبيرة من المسلمين على العموم [1]، لأسباب سياسية ، فانهم كانوا يتساهلون في إطلاق أحكام التكفير على حكام آل سعود او حكام الخليج الذين لا يحكمون بما انزل الله ، فبالرغم من تركيز الحركة الوهابية على موضوع التوحيد ، وتوحيد الطاعة والعبادة والالتزام بقوانين الشريعة الاسلامية ، و اعتبار العمل بغير ما أنزل الله شركاً وكفراً أعظم ناقلاً عن الملة.[2] ولكن علماء المؤسسة الوهابية الجديدة ، وجدوا أنفسهم في ظل سيطرة النظام السياسي واختلال موازين القوى ، مضطرين للقيام بتفسير جديد لمفهوم الشرك والتوحيد ، يختلف عن التفسير الوهابي القديم ، وخاصة مفهوم الشرك في الطاعة ، والحكم بغير ما أنزل الله ، من أجل تبرئة الحكام المنحرفين الرافضين للعمل بالشريعة الاسلامية ، أو الموالين للكفار ، و وضع شروط ومخارج جديدة لصرف تهمة التكفير عنهم .فقد قال الشيخ محمد ناصر الدين الألباني :"إنه لا يجوز لأحد من الناس أن يُكفّر من حكم بغير ما أنزل الله بمجرّد الفعل من دون أن يعلم أنه استحل ذلك بقلبه". وعقب المفتي السابق للمملكة العربية السعودية الشيخ عبد العزيز ابن باز ، على كلامه مؤيداً : "لا شك أن ما ذكره في جوابه من تفسير قوله تعالى : (ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون)... هو الصواب ". و أوضح المفتي :" أن الكفر كفران أكبر وأصغر ، كما أن الظلم ظلمان أكبر وأصغر ، فمن استحل الحكم بغير ما أنزل الله أو الزنا أو الربا أو غيرهما من المحرمات المجمع على تحريمها فقد كفر كفراً أكبر ، ومن فعلها بدون استحلال كان كفره كفراً أصغر وظلمه ظلماً أصغر وهكذا فسقه".[3]
وأصدرت اللجنة الدائمة للأبحاث والإفتاء فتوى برقم 5741 حول موضوع تكفير من لم يحكم بما أنزل الله، وهل هو مسلم أو كافراً كفراً أكبر ولا تُقبل أعماله ؟ فقالت :" قال تعالى : (ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون) لكن إن استحل ذلك واعتقده جائزاً فهو كافر كفراً أكبر يخرج عن الملة ، أما إن فعل ذلك من أجل الرشوة أو مقصد آخر وهو يعتقد تحريم ذلك فإنه آثم يعتبر كافراً كفراً أصغر لا يخرجه عن الملة كما أوضح أهل العلم في تفسير الآيات المذكورة".
وقال الشيخ ابن باز أيضا :من قال أنا أحكم بهذا وهو يعتقد أن الحكم بغير ما أنزل الله لا يجوز ، ويقول الحكم بالشريعة الإسلامية أفضل ، ولكنه متساهل أو يفعل هذا لأمر صادر من حكامه فهو كافر كفراً أصغر لا يخرج من الملة ، ويعتبر من أكبر الكبائر.
وسُئل : ما حكم سنّ القوانين الوضعية ؟ وهل يجوز العمل بها ؟ وهل يكفر الحاكم بسنّه لهذه القوانين ؟ فعلق الحكم بالتكفير على الاستحلال وقال: إذا سنّ قانوناً معناه لا حدّ على الزاني ، ولا حدّ على السارق ، ولا حدّ على شارب الخمر ، فهذا باطل ، وهذه القوانين باطلة ، وإذا استحلها الوالي كفر ، إذا قال إنها حلال ولا بأس بها ، فهذا يكون كفراً ، من استحلّ ما حرّم الله كفر.
وقال في جواب آخر: الحكام بغير ما أنزل الله أقسام ، تختلف أحكامهم بحسب اعتقادهم وأعمالهم ، فمن حكم بغير ما أنزل الله يرى أن ذلك أحسن من شرع الله فهو كافر عند جميع المسلمين ، وهكذا من يُحكّم القوانين الوضعية بدلاً من شرع الله ويرى أن ذلك جائز ، ولو قال : إن تحكيم الشريعة أفضل فهو كافر ، لكونه استحل ما حرّم الله. أما من حكم بغير ما أنزل الله اتباعاً للهوى أو لرشوة أو لعداوة بينه وبين المحكوم عليه ، أو لأسباب أخرى ، وهو يعلم أنه عاص لله بذلك ، وأن الواجب عليه تحكيم شرع الله ، فهذا يعتبر من أهل المعاصي والكبائر ، ويعتبر قد أتى كفراً أصغر ، كما جاء هذا المعنى عن ابن عباس رضي الله عنهما وعن طاووس وجماعة من السلف الصالح ، وهو المعروف عند أهل العلم ، والله ولي التوفيق.[4]
وقال الشيخ محمد بن صالح بن عثيمين :" وليعلم أنه يجب على الإنسان أن يتقى ربه فى جميع الأحكام فلا يتسرع فى البت بها خصوصا فى التكفير الذى صار بعض أهل الغيرة والعاطفة يطلقونه بدون تفكير ولا روية ، مع أن الإنسان إذا كفر شخصا ولم يكن الشخص أهلا له عاد ذلك إلى قائله. وتكفير الشخص يترتب عليه أحكام كثيرة فيكون مباح الدم والمال ويترتب عليه جميع أحكام الكفر ، وكذا يجب أن لا نجبن فى تكفير من كفره الله ورسوله ولكن يجب أن نفرق بين المعين وغير المعين فالمعين يحتاج الحكم بتكفيره إلى أمرين:
1- ثبوت أن هذه الخصلة التى قام بها مما يقتضى الكفر.
2- انطباق شروط التكفير عليه ، وأهمها العلم بأن هذا مكفر فإن كان جاهلا فإنه لا يكفر...ولابد مع توفر الشروط من عدم الموانع فلو قام الشخص بما يقتضى الكفر إكراها أو ذهولا لم يكفر".[5]
وقال الشيخ ابن عثيمين : القول بالتكفير أو عدمه في مثل هذه الأمور يحصل فيه مفاسد والذي أرى أولاً أن لا يشتغل الشباب في هذه المسألة وهل الحاكم كافر أو غير كافر وهل يجوز أن نخرج عليه أو لا يجوز ، على الشباب أن يهتموا بعباداتهم التي أوجبها الله عليهم أو ندبهم إليها وأن يتركوا ما نهاهم الله عنه كراهة أو تحريما وان يحرصوا على التآلف بينهم والاتفاق وان يعلموا أن الخلاف في مسائل الدين والعلم قد جرا في عهد الصحابة رضي الله عنهم ولكنه لم يودي إلى الفرقة و إنما القلوب واحدة والمنهج واحد.
أما فيما يتعلق بالحكم بغير ما انزل الله فهو كما في الكتاب العزيز ينقسم إلى ثلاثة أقسام كفر وظلم و فسق على حسب الأسباب التي بني عليها هذا الحكم :
1- فإذا كان الرجل يحكم بغير ما انزل الله تبعا لهواه مع علمه بأن الحق فيما قضى الله به فهذا لا يكفر لكنه بين فاسق وظالم.
2- و أما إذا كان يشرع حكما عاما تمشي عليه الأمة يرى أن ذلك من المصلحة وقد لبس عليه فيه فلا يكفر أيضا لأن كثيرا من الحكام عندهم جهل في علم الشريعة ويتصل بهم من لا يعرف الحكم الشرعي وهم يرونه عالما كبيرا فيحصل بذلك المخالف.
3- وإذا كان يعلم الشرع ولكنه حكم بهذا أو شرع هذا وجعله دستورا يمشي الناس عليه يعتقد انه ظالما في ذلك وان الحق فيما جاء به الكتاب والسنة فأننا لا نستطيع أن نكفر هذا.وإنما نكفر من يرى أن حكم غير الله أولى أن يكون الناس عليه أو مثل حكم الله فإن هذا كافر.
وقد اتهم الشيخ ابن عثيمين الذين يكفرون الحكام المسلمين "من غير ضوابط أو شروط " بأنهم ورثة الخوارج الذين خرجوا على علي بن أبي طالب ، وقال: ان الكافر من كفّره الله و رسوله، و للتكفير شروط؛ منها العلم، و منها الإرادة ؛ أن نعلم بأن هذا الحاكم خالف الحق و هو يعلمه، و أراد المخالفة، و لم يكن متأولاً. المهم هذا له شروط، و لا يجوز التسرع في التكفير ، كما لا يجوز التسرع في قولك: هذا حلال و هذا حرام.[6]
وعلى رغم أن الشيخ صالح بن فوزان الفوزان ، ألف كتابا حول (التوحيد وحاكمية الله) ، وكفر فيه الحكام الذين لا يحكمون بما أنزل الله ويزيحون الشريعة ويجعلون مكانها القانون ، الا أنه رفض الحكم بكفر حكام الخليج أو حاكم بعينه ، وقال بوجود فرق بين الحكم العام وبين التعيين. واعتبر من يكفر الحكام بأعيانهم من أهل الهوى والفتنة.[7]
وهكذا أغلق علماء المؤسسة الوهابية الجديدة بوابة التكفير ضد الحكام ، وهي البوابة الوحيدة المشروعة للثورة في الفكر السياسي الوهابي ، و ذلك بنفي تهمة الكفر الصريح عمن لا يلتزم بالشريعة الاسلامية ولا يحكم بما أنزل الله.[8]
--------------------------------------------------------------------------------
[1] - كما حدث مثلاً عام 1982 عندما انتقد الرئيس الليبي العقيد معمر القذافي سياسة الملك خالد بن عبد العزيز ، فتصدى له مجلس هيئة كبار العلماء وأصدر بيانا طويلا جاء فيه :" أن القذافي كافر ملحد وضال مضل". جريدة الرياض بتاريخ 11/5/1402 و أنور عبد الله ، العلماء والعرش ص 385 ، وكما حدث عام 1991 عندما احتل الرئيس العراقي صدام حسين الكويت ، وأعلنت السعودية الحرب عليه ، حيث قام ابن باز بتأييد الحرب وأصدر بيانا قال فيه:" ان الله سبحانه وتعالى أمر بقتال الفئة التي تبغي حتى تفيء الى أمر الله ، فكيف اذا كانت الفئة الباغية غير مسلمة بل ملحدة وباغية ، فهنا قتالها أوجب وأحقّ". عبد الله ، أنور ، العلماء والعرش صفحة 394 ، ولم يتورع مشايخ الوهابية الرسمية الكبار من تكفير طائفة الشيعة بصورة عامة عندما توترت العلاقة بين السعودية وإيران ، أثناء الحرب العراقية الإيرانية ، حيث أصدرت اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء برئاسة الشيخ عبد العزيز بن باز ، وعضوية المشايخ عبد الله بن قعود وعبد العزيز بن غديان ، وعبد الرزاق عفيفي ، فتوى تحت رقم 1661 بتكفير الشيعة بصورة عامة ، ثم أصدر الشيخ عبد الله بن جبرين فتوى مماثلة تحت رقم 2008 بتاريخ 12/3/1412 ورد فيها ما يلي: " ان الشيعة مشركون شركا أكبر يخرج من ملة الاسلام وانهم مرتدون ، وانهم غلاة ، وانهم منافقون. وبناء على ذلك فقد تقرر ما يلي: أ – حرمة ذبائحهم. ب – حرمة الزواج منهم. ج – رفض دعاواهم في الأخوة الاسلامية". و أصدر الشيخ ناصر الدين الألباني عام 1987 من عمان فتوى بتكفير الامام الخميني.
[2] - وهذا ما نجده مثلاً في كتاب: (رسالة تحكيم القوانين) للمفتي الأسبق الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ ، الذي قال فيه:" إن من الكفر الأكبر المستبين تنزيل القانون اللعين منزلة ما نزل به الروح الأمين على قلب محمد صلى الله عليه وسلم ليكون من المنذرين بلسان عربي مبين في الحكم به بين العالمين والرد إليه عند تنازع المتنازعين مناقضة ومعاندة لقول الله عز وجل

فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ذلك خير وأحسن تأويلا). وان هذه المحاكم الآن في كثير من أمصار الإسلام مهيأة مكملة مفتوحة الأبواب والناس إليها أسراب إثر أسراب يحكم حكامها بينهم بما يخالف حكم السنة والكتاب من أحكام ذلك القانون وتلزمهم به وتقرهم عليه وتحتمله عليهم ، فأي كفر فوق هذا الكفر وأي مناقضة للشهادة بأن محمدا رسول الله بعد هذه المناقضة؟". ص 20 –21
[3] - جريدة الشرق الأوسط عدد(6156) بتاريخ 12/5/1416 هـ
[4] - نقلا عن ساحات الحوار للشيخ د.عبدالله الفارسي
[5] - بن عثيمين:القول المفيد:ج3 ص 268-271
[6] - فتوى الشيخ العثيمين صدرت في يوم الثلاثاء الثاني والعشرين من شهر ربيع الأول عام 1420هـ
[7] - الرابط الصوتي للفوزان:
http://mypage.ayna.com/omar_salafi/Fouzan01.rm
[8] - ولكن هذا الموقف الرافض للتكفير لم ينسحب على طائفة الشيعة مثلا ، إذ استمر بعض كبار رجال الدين الوهابيين بتكفير الطائفة على العموم ، بأدلة واهية ، كما فعل الشيخ عبد العزيز بن باز ، الذ ي قال في 22 / 1 / 1409 هـ فتوى رقم 136 / 1 :"ان الشيعة فرق كثيرة وكل فرقة لديها أنواع من البدع وأخطرها فرقة الرافضة الخمينية الاثني عشرية لكثرة الدعاة إليها ولما فيها من الشرك الأكبر كالاستغاثة بأهل البيت واعتقاد أنهم يعلمون الغيب ولا سيما الأئمة الاثني عشر حسب زعمهم "
http://www.ibnbaz.org.sa/last_resault.asp?hID=1317
وكما فعل الشيخ عبد الله بن جبرين عندما استفتاه شخص عن حكم ذبح الشيعة ، بتاريخ 22-3-1412 فقال:" يوجد في بلدتنا شخص رافضي يعمل قصاب ويحضره أهل السنة كي يذبح ذبائحهم وكذلك هناك بعض المطاعم تتعامل مع هذا الشخص الرافضي وغيره من الرافضة الذين يعملون في نفس المهنة . . . فما حكم التعامل مع هذا الرافضي وأمثاله ؟ وما حكم ذبحه ؟ وهل ذبيحته حلال أم حرام ؟ أفتونا مأجورين والله ولي التوفيق" . فأجابه بما يلي:"...فلا يحل ذبح الرافضي ولا أكل ذبيحته ، فإن الرافضة غالبا مشركون ، حيث يدعون علي بن أبي طالب دائما في الشدة والرخاء ، حتى في عرفات والطواف والسعي ، ويدعون أبناءه وأئمتهم كما سمعناهم مرارا ، وهذا شرك وردة عن الإسلام يستحقون القتل عليها ، كما يغلون في وصف علي رضي الله عنه ، ويصفونه بأوصاف لا تصلح إلا لله كما سمعناهم في عرفات ، وهم بذلك مرتدين ، حيث جعلوه ربا وخالقا ومتصرفا في الكون ويعلم الغيب ويملك الضر والنفع ونحو ذلك ، كما أنهم يطعنون في القرآن الكريم ويزعمون أن الصحابة حرفوه وحذفوا منه أشياء كثيرة تتعلق بأهل البيت وأعدائهم فلا يقتدون به ولا يرونه دليلا . كما أنهم يطعنون في أكابر الصحابة كالخلفاء الثلاثة وبقية العشرة وأمهات المؤمنين ومشاهير الصحابة كأنس وجابر وأبي هريرة ونحوهم ، فلا يقبلون أحاديثهم لأنهم كفار في زعمهم ، ولا يعملون بأحاديث الصحيحين إلا ما كان عن أهل البيت ، ويتعلقون باحاديث مكذوبة ، أو لا دليل فيها على ما يقولون ، ولكنهم مع ذلك ينافقون فيقولون بالسنتهم ماليس في قلوبهم ويخفون في انفسهم ما لا يبدون لك ، ويقولون من لا تقية له فلا دين له ، فلا تقبل دعواهم في الإخوة ومحبة الشرع... إلخ . . . فالنفاق عقيدة عندهم ، كفى الله شرهم وصلى على محمد وآله وصحبه وسلم .