تعجيل عقوبة العاق
اسمع إلى هذا الرجل الذي كبر أبوه فتأفف منه، فهل تعرف ماذا فعل؟ أخذ أباه على دابة -على جمل- وذهب به إلى الصحراء، فلما جاء في وسط الصحراء، قال الأب لهذا الولد، قال: يا بني! أين تريد الذهاب بي؟
قال: يا أبي! لقد مللتك، ولقد سئمتك.
قال: وماذا تريد؟
قال: أريد أن أذبحك.
فقال: يا بني! ماذا تقول؟
قال: أريد أن أذبحك لقد مللتك يا أبي!
فقال له: إن كنت ولا بد فاعلاً فاذبحني عند تلك الصخرة.
قال: ولم يا أبي؟ قال: فإني قد قتلت أبي عند هذه الصخرة، فاقتلني عندها وسوف ترى من يقتلك من أبنائك عند هذه الصخرة: مَنْ يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِهِ [النساء:123] الجزاء من جنس العمل.
بر والديك، وأباك، وأمك، فسوف يأتي من أبنائك من يبرك، أو عقهما فوالله الذي لا إله غيره، يقول عليه الصلاة والسلام وهو حديث صحيح، يقول: (كل الذنوب يؤخر الله منها ما شاء إلى يوم القيامة إلا عقوق الوالدين فإنه يعجل لصاحبه ).
نموذج للطاعة في أروع صورها
هذا أحد العلماء المحدثين يجلس في مجلس العلم، وعنده عشرات بل لعله المئات من التلاميذ يحدثهم، ويكتبون خلفه، تأتيه أمه في أثناء الدرس، فتقول له: يا فلان! فيقول: لبيك يا أماه! فتقول له: أطعم الدجاج، فانظر هذا العمل التافه، وانظر إلى هذا العمل الحقير، لكن صدر ممن؟ من أم عظيمة، من أم لها حق عليك كبير، أتعرف ماذا يفعل هذا الرجل؟ لم يقل لأمه: بعد الدرس أو بعد قليل. لا والله! بل يغلق الكتاب، ثم يقوم من مجلسه، ثم يطعم الدجاج، ثم يرجع إلى درسه، ويكمل حديثه. فهلا فعلنا هذا يا عباد الله! أم أن الواحد يقدم زوجته، ويقدم أصحابه، ويقدم عمله الدنيوي، ويقدم تجارته، ويقدم لهوه وراحته على أمه: وَوَصَّيْنَا الْأِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ إِحْسَاناً حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهاً وَوَضَعَتْهُ كُرْهاً وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلاثُونَ شَهْراً [الأحقاف:15].
فالمدة ليست يوماً ولا يومين، بل تسعة أشهر، لا تستطيع فيها تنام مثل الناس، ولا تأكل مثل الناس، ثم بعدها عامين -يا عبد الله- تقوم في الليل ست أو سبع مرات لأجلك، تبكي إذا بكيت، وتسهر إذا تعبت، والأب لا يرتاح حتى يعطيك لقمة العيش لتسد بها جوعك، والله! لا يلبس وأنت تلبس، ولا ينام وأنت تنام، ولا يرتاح وأنت ترتاح، ثم بعد هذا نسيت حقهما يا عبد الله! أي فجور بعد هذا الفجور؟!
جزء من شريط بر الوالدين للشيخ نبيل العوضى