أما الدليل العقلي فأن يقال:
هل الخلق ملك لله؟
فالجواب: نعم.
هل يمكن أن يكون في ملك الله مالا يريد؟
الجواب: لا يمكن، فما دام الشيء ملكه فلن يكون في ملكه مالا يريد إذًا فكل ما كان في ملكه فهو بإرادته وبمشيئته ولا يكون في ملكه مالا يشاء أبدًا، إذ لو كان في ملكه مالا يشاء لكان ملكه ناقصًا، وكان في ملكه ما يقع بدون اختياره وبدون علمه.
المرتبة الرابعة: الخلق ومعناها: الإيمان بأن الله ـ سبحانه وتعالى ـ خلق كل شيء، فنؤمن بعموم خلق الله تعالىلكل شيء ودليل ذلك قال الله تعالى: {تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَلَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُن لَّهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا} [الفرقان: 1: 2] ، وقال تعالى: {اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ} [الزمر: 62] ، وقال تعالى: {بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُن لَّهُ صَاحِبَةٌ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ وهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} [الأنعام: 101] ، وقال تعالى: {إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ} [القمر: 49] .
والآيات في ذلك واضحة كثيرة: أن كل شيء مخلوق لله - عز وجل - حتى فعل الإنسان مخلوق لله ـ تعالى وإن كان باختياره وإرادته لكنه مخلوق لله ـ تعالى ـ وذلك أن فعل الإنسان ناشئ من أمرين هما: الإرادة الجازمة، والقدرة التامة.
مثال ذلك: أمامك حجر زنته عشرون كيلو، فقلت لك: احمل هذا الحجر فقلت: لا أريد حمله، فهنا انعدمت إرادتك على حمل الحجر، قلت لك ثانية: احمل هذا الحجر، فقلت: نعم سمعًا وطاعة، ثم أردت أن تحمله فعجزت عن حمله، فهذا أنت لم تحمله لعدم القدرة، قلت لك ثالثة: احمل هذا الحجر فقلت : سمعًا وطاعة وحملته فوق رأسك فهنا حملته لقدرتك وإرادتك.
فأفعالنا كلها التي نفعلها ناشئة عن إرادة جازمة، وقدرة تامة، والذي خلق هذه القدرة والإرادة هو الله ـ عز وجل ـ فلو أن الله جعلك مشلولًا ما قدرت، ولو صرف همتك عن الفعل ما فعلت. ولهذا قيل لأعرابي: بم عرفت ربك؟ قال: بنقض العزائم وصرف الهمم. فأحيانًا يكون الإنسان عنده عزيمة أكيدة على الشيء، ثم تنتقض هذه العزيمة بدون أي سبب. وأحيانًا يخرج الإنسان يريد الذهاب لأحد أصدقائه، ثم ينصرف ولا يذهب بدون أي سبب، لكن الله - عز وجل - يلقي في قلبه انصراف الهمة فيرجع.
لهذا نقول: إن أفعال الإنسان مخلوقة لله، لأنها ناشئة عن إرادة جازمة وقدرة تامة، وخالق هذه الإرادة، والقدرة هو الله ـ سبحانه وتعالى ـ.
ووجه كون الله هو الخالق لهذه الإرادة والقدرة، لأن الإرادة والقدرة وصفان للمريد والقادر خالقه هو الله، وخالق الموصوف خالق للوصف، وبهذا اتضح الأمر وانجلى بأن أفعال الإنسان مخلوقة لله ـ عز وجل ـ.
وها هنا بحوث في باب القدر، لأن هذا الباب كما قلنا في أول الكلام عليه باب شائك مشكل:
المبحث الأول: لله - عز وجل - مشيئة، وله إرادة ومحبة
قال الله تعالى: {وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاء} [إبراهيم: 27] . وقال تعالى: {اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ} [الحج: 14] .
أولًا": هل المشيئة والإرادة شيء واحد؟ أم يفترقان؟
الجواب: بل يفترقان.
ثانيًا: هل الإرادة والمحبة شيء واحد
يعني أن الله إذا أحب شيئًا أراده، وإذا أراد شيئًا فقد أحبه؟ أو يفترقان؟ الجواب: بل يفترقان.
فعندنا ثلاثة أشياء: المشيئة، والمحبة، والإرادة، وهذه الثلاثة ليست بمعنى واحد، بل تختلف.
المشيئة: تتعلق بالأمور الكونية سواء كانت محبوبة لله أو مكروهة له، أي إن الله تعالى قد يشاء الشيء وهو لا يحبه، وقد يشاء الشيء وهو يحبه.
فالمعاصي كائنة بمشيئة الله، وهو لا يحبها، والفساد في الأرض كائن بمشيئة الله، والله لا يحب الفساد، والكفر كائن بمشيئة الله، والله لا يحب الكفر.
فالمشيئة إذًا تتعلق بالأمور الكونية فيشاء الله كونًا مالا يحبه وما يحبه.
المحبة: تتعلق بالأمور الشرعية، فلا تكون إلا فيما يبيحه الله، فالمعاصي غير محبوبة لله، وأما الطاعات فهي محبوبة له سبحانه، سواءً حصلت أم لم تحصل.
الإرادة: ولها جانبان: جانب تكون فيه بمعنى المشيئة، وجانب تكون فيه بمعنى المحبة، فإذا كانت بمعنى المحبة فهي الإرادة الشرعية، وإذا كانت بمعنى المشيئة فهي الإرادة الكونية.
وإذا كانت الإرادة شرعية وهي التي تكون بمعنى المحبة، فإنه لا يلزم منها وقوع المراد مثل قوله تعالى: {وَاللَّهُ يُرِيدُ أَن يَتُوبَ عَلَيْكُمْ} [النساء: 27]، فهذه إرادة شرعية بمعنى المحبة، لأنها لو كانت بمعنى المشيئة لوقعت التوبة على جميع الناس، ونحن نشاهد أن من الناس من يتوب ومنهم من لا يتوب.
وأما الإرادة الكونية التي بمعنى المشيئة فيلزم فيها وقوع المراد، فإذا أراد الله شيئًا كونًا وقع ولابد وهذه الإرادة كالمشيئة، تكون فيما يحبه وفيما لا يحبه، لكن إذا أراد الله شيئًا بهذا المعنى وقع ولا بد، مثل قوله تعالى: {وَلَكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ} [البقرة: 253] . فإنه كقوله: {وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاء} [إبراهيم: 27] ، سواء بسواء ومثل قوله: {إِن كَانَ اللَّهُ يُرِيدُ أَن يُغْوِيَكُمْ} [هود: 34] ، فإنها بمعنى يشاء أن يغويكم، وليست بمعنى يحب أن يغويكم، لأن الله تعالى لا يحب أن يغوي عباده.
ويمكن أن تتفق الإرادتان ـ الشرعية والكونية ـ في حادث واحد، مثل إيمان أبي بكر فهذا مراد لله شرعًا وكونًا، لأن الله يحبه فهو مراد له شرعًا، ولأنه وقع فهو مراد له كونًا.
وتنتفي الإرادتان مثل (كفر المؤمن) فهو غير مراد لله شرعًا، لأنه يكرهه، وغير مراد لله كونًا، لأنه لم يقع.
ومثال الإرادة الكونية دون الشرعية مثل (كفر أبي جهل وأبي لهب)، فقد تعلق بكفرهما الإرادة الكونية، لأنه وقع الكفر دون الشرعية، لأن الله لا يحب الكافرين.
ومثال الإرادة الشرعية دون الكونية، مثل (إيمان فرعون) فهو مراد شرعًا، لأن الله - عز وجل - أرسل إليه موسى ودعاه، لكن الله لم يرده كونًا، فلذلك لم يقع ولم يؤمن فرعون
المصدر : من فتاوى بن عثيمين رحمه الله تعالى
http://www.al-eman.com/islamlib/view...BID=353&CID=26