| [5] وأما تنقيةُ العملِ من مُلاحظةِ الناس: فالمرادُ به أن لا يكون الغرضُ إرضاءَ الناسِ وكسبَ مدحِهم وإعجابِهم،
كما قال القشيري: "يصحُّ أن يُقال: الإخلاصُ تصفيةُ الفعلِ عن مُلاحظةِ المَخلوقين...
سمعتُ الأستاذ أبا علي الدقاق يقول: الإخلاصُ التَّوقِّي عن مُلاحظةِ الخلقِ، والصِّدقُ التَّوقِّي عن مُلاحظةِ النفس؛ فالمخلصُ: لا رياءَ له، والصادقُ: لا إعجابَ له...
وقال ذو النون المصري: الإخلاصُ ما حُفِظَ مِن العدوِّ أن يُفسِدَه،
يقول السَّرِي السقطي: مَن تزيَّنَ للناسِ بما ليس فيه؛ سقطَ من عَينِ الله تعالى...
وسئل بعضُهم عن الإخلاص فقال: أن لا تُشهِدَ على عملِك غيرَ الله عزَّ وجلَّ".[6] وهذا القسمُ الثالثُ هو المعنى المشهورُ المُتبادرُ من معاني الإخلاص.
[6] ولكنْ لا يخفى أنه لا يمكن الفصلُ بين هذه الأُسُسِ الاصطلاحية الثلاثة التي يقوم عليها الإخلاصُ؛ باعتبارِه توحيداً للهِ تعالى، وتنقيةً للقلبِ مِن حُظوظ النفسِ، والعملِ من مُلاحظةِ الناس؛ إذ لا يمكنُ فصلُ البُعدِ الاعتقادي في ديننا عن البعد النفسي والاجتماعي إلا من الناحية النظرية.
[7] ومن هنا نرى أنَّ بعضَ العلماء قد جمعَ في تعريفِه للإخلاصِ بين مُراعاةِ هذه الأُسُسِ؛ فأحسنَ أيَّما إحسان، وتلقَّى العلماءُ تعريفَه بالقبول والاستحسان، وهو قولُ الفضيل بن عياض رحمه الله: "تركُ العملِ من أجلِ الناسِ رِياءٌ، والعملُ مِن أجلِ الناسِ شِرْكٌ، والإخلاصُ أن يُعافيَك اللهُ منهما".[7] فأشار بذكر الرِّياء إلى تنقيةِ النفس، وبالشِّرك إلى تنقية التوحيد، وبأداءِ العمل وتركِه من أجل الناس إلى تنقيةِ العمل. فما أجمعَ هذا التعريفَ وأروعَه!
[8] ولعلَّ استحضارَ هذه الأُسُس يفتح لنا باباً واسِعاً من إدراكِ معاني الإخلاص إدراكاً صحيحاً؛ فإنَّ (الإخلاصَ) للهِ ربِّ العالمين مدرسةٌ تربويةٌ شامِلة، ومَوسوعةٌ أخلاقيةٌ مُتكامِلة؛ تتضمَّنُ طائفةً مِن شُعب الإيمانِ وجملةً من الخِصال الكريمة والآداب العظيمة.
[9] فـ(الإخلاص) هو المعيارُ الصحيحُ الذي تُوزَن به القِيَمُ وتُقاسُ به الأعمالُ، كما قال صاحبُ الظلال؛ مُبَيِّناً أثرَ غيابِ الإخلاصِ في حُصولِ الفسادِ واختلالِ المَوازين في تفسير قولِ الله تعالى: (ألا إنهم هم المفسِدُون ولكنْ لا يشعرون)[8]: "الذين يُفسِدون أشنعَ الفساد، ويقولون: إنهم مُصلِحون كثيرون جدّاً في كل زمانٍ؛ يقولونها لأن الموازين مُختلةٌ في أيديهم. ومتى اختلَّ ميزانُ الإخلاص والتجرد في النفس اختلت سائرُ الموازين والقيم؛ والذين لا يُخلصون سريرتَهم لله يتعذرُ أن يشعروا بفسادِ أعمالِهم؛ لأن ميزانَ الخيرِ والشرِّ والصلاحِ والفسادِ في نفوسِهم يتأرجحُ مع الأهواء الذاتية ولا يثُوب إلى قاعدةٍ ربّانية".[9]
[10] والإخلاصُ بهذا الفهم الواسِعِ يُنمِّي الإيمانَ ويُنقِّي العقيدة ويُزكِّي الوِجدان، ويُهذِّب الملكاتِ الفكرية والنفسية والعلاقات الاجتماعية. وهذا مِن معاني قولِ الله عزَّ وجلَّ: (قُلْ إنَّ صلاتِي ونُسُكي ومَحياي ومماتي لله ربَِّ العالمين لا شريك له).[10] "إنه التجرُّدُ الكاملُ لله، بكلِّ خالجةٍ في القلب وبكلِّ حركةٍ في الحياة: بالصلاة والاعتكاف، وبالمحيا والممات، بالشعائر التعبدية، وبالحياة الواقعية، وبالممات وما وراءه؛ إنها تسبيحةُ (التوحيد) المطلق والعبودية الكاملة، تجمع الصلاةَ والاعتكافَ والمحيا والممات، وتُخلِصها لله (ربِّ العالمين) القوَّام المهيمن المتصرِّف المربِّي الموجِّه الحاكم للعالمين.. في (إسلامٍ)
كاملٍ لا يستبقي في النفسِ ولا في الحياةِ بقيَّةً لا يُعبِّدُها لله، ولا يحتجز دونه شيئاً في الضميرِ ولا في الواقع".[11]
[11] فليس الإخلاصُ فرعاً من الفُروع، يتفقَّدُه المسلم في صلاتِه هل خَلُصَتْ من الرياء أم لا؟ بل هو أحدُ الأصلَيْن العظيمَيْن اللَّذَيْن قام عليهما صَرْحُ هذا الدِّين، كما قال أهلُ العلم: "لا يكون العبدُ متحقِّقاً بـ(إياك نعبد) إلا بأصلَيْن عظيمين: أحدهما: متابعة النبي صلى الله عليه وسلم والثاني: الإخلاصُ للمعبود"؛[12]
يتبع بإذن الله
ملاحظة: الموضوع طويل بعض الشيء فأرجو المعذرة. |