في ليلة شتوية حنّت علينا فيها الأمطار.. أسمع وقع حبات المطر حين الأصدام بكل مافي الجوار.. وأشتمُّ منها رائحة المطر تُطالعني من خلف الأسوار..وسكون الليل يلف النواحي والقفار..
سكون لم يسبق أن كان لي معه حديث أو حوار ..وعقارب ساعتي لاتبرح مكانها في الجدار..
. . .
الليل طويل ,,, والسكون يفل الفلول..
وموسيقى المطر لاتزال تعزف على أوتار هذا السكون.. ورائحته تصل اليّ فتصنع فيّ نشوة ً تبدد أركان السكون.. وتدفعني قسراً للنزول .. حيث : ساحات المطر
بسرعة.. فقد عزمت على نزولها ساحات المـــــــطر..!!
أرتديت قبعة من على مكتبي..وتناولت البالطو الجلدي ..وانطلقت كما
ينطلق فرسان المعارك.. فشوقي للنزال يدفعني بقوة..!!
أرتديت البالطو ..أحكمت اغلاقة.. وأمسكت بالباب ..
وهاهو صرير الباب يُعلن بداية الوصول والمواجهة..!!
مواجهة فريدة من نوعها ..يغلفها الحب والشوق .. ويناغيها حديث القلب..
كم أشتاق اليها تلك الساحات .. فمنذ الطفولة لم يكن لي معها صولات و جولات..!!
. . .
هاقد تم الأصطدام ..وهاهي تشارك وقع حبات المطر الأقدام..
وقفت في أحد الزوايا والأركان.. لأرقب جمال الكون ..وأنتشي روعة السكون ..
. . .
بعدها آثرت الجلوس فلم يعد للعجلة مكان.. واللهفة لاتخبو في بضع دقائق أوثوان..
. . .
أيهــا المطـــر.. أيهــا السكون ..
حدثــــــاني..
أي لوحة ترسمون ..؟ وأي جمال تنسجون ..؟ وأي روعة تصنعون..؟
وأي أعماق للنفس تدخلون ..؟ وأي فيافي في القلب تقطعون..؟
بصوت رائع كروعتهمــا جائني يرفرف من من بعيد..يناغي فيّ ماتفجر من سدود ..
(صنع الله الذي أتقــن كل شيء)
. . .
وما يزال المطر يُذكي تلك اللوحة فناً وجمالاً..وحبيباته البلورية تسقط لتصطدم بسطح البالطوا وكأنها تسمعني أحلى الألحان ..لتتدحرج من على السطح بعدها لتصنع وقعاً آخر ..يروق لي استماعه..!!
. . .
البرد يشتد .. وأنا لازلت أتقوقع في أحد الزوايا المائلة .. أستمتع بهذه اللوحة الربانية الرائعة الرسم والألوان.. ومع صمت السكون ..وبرد المطر .. استولى عليّ النعاس .. فاستسلمت له ..
. . .
أسندت رأسي على الجدار من خلفي .. أنزلت قبعتي على وجههي.. فما عُدت أقوى أن أقاوم ..
ولحظات ماطــرة .. وغفوات متباينة .. واحساس بالدفء وسط تلك الأجواء الثلجية.. رُحت في حُلم جميـــــــل..
. . .
صوت عذب يمخر عباب هذا الليل ويشق ردهات السكون.. يزجي مسمعي ..ويتغلل في وجداني..
الله أكبر ..الله أكبـــر..
يالله ..أزحت قبعتي التي أثقل وزنها الماء.. لأرتشف هذا الصوت الجميل
وليكن هو محطتي الأخيرة في رحلتي المثيرة..
. . .
نهضت .. عُدت مسرعة ..كما بدأت مسرعة .. دخلت غرفتي ..لازالت صامتة .. يلفها السكون.. رفعت نظري لساعتي التي كانت هامدة قبل قليل ! هاقد عاد اليها النشاط من بين كل ساكن هنا ..وهاهي تعلن بزوغ يوم مشرق جديد..
. . .
كانت ولا زالت .. رائــحة ..ووقع ..ورحلة ..ونزال ..نُقشت في الذاكرة..