حكم التصوير بأنواعه:
قال العلامة ابن عثيمين رحمه الله تعالى:
[التصوير ينقسم إلى قسمين: قسم متفق على تحريمه: وهو أن يصور ما فيه روح على وجه تمثال من خشب أو حر أو طين أو جبس أو ما أشبه ذلك، فهذا إذا صوره على صورة حيوان أو إنسان أو أسد أو أرنب أو قرد أو غير ذلك فهذا حرام بالاتفاق، وفاعله ملعون على لسان النبي صلى اله عليه وسلم ويعذب يوم القيامة فيقال له: أحيي ما خلقت. وفي حديث ابن عباس قال: كل مصور في النار ... فإن كنت لا بد فاعلاً فاصنع الشجر وما لا روح فيه.
والقسم الثاني: تصوير ما لا روح فيه مثل الشجر والشمس والقمر والنجوم والأنهار والجبال، وما أشبهها هذه جائزة. لكن ما كان ينمو كالنبات فمن العلماء من لم يجزه كمجاهد رحمه الله من التابعين المشهورين قال: كل ما ينمو فإنه لا يجوز أن يصور ولم كان لا روح له؛ لأنه في الحديث الصحيح أن الله قال: "فليخلقوا ذرة أو ليخلقوا حبة أو شعيرة" ولكن الذي عليه جمهور العلماء أن الذي لا روح فيه لا بأس أن يصوره سواء كان مما ينمو كالأشجار أو مما لا ينمو كالشمس والبحار والقمر والأنهار وما أشبهها.
أما تصوير ما فيه روح لكن التلوين والرسم فهذا قد اختلف فيه العلماء فمنهم من يقول: إنه جائز لما رواه البخاري من حديث زيد بن خالد ـ أظن ـ قال: "إلا رقْمًا في ثوب" فاستثنى الرقم لأن الرقم لا يماثل ما خلق الله عز وجل إذ إن ما خلق الله عز وجل جسم ملموس، وأما هذا فهو مجرد رقم وتلوين فيجوز ولو باليد، ولكن جمهور العلماء على أنه لا يجوز، وهو الصحيح أنه لا يجوز التصوير لا بالتمثال ولا بالرقم ما دام المصور من الأشياء التي بها الروح، ولم يحدث في عهد النبي صلى الله عليه وسلم ما حدث في زماننا هذا من الصور الفوتوغرافية وهل تدخل في النهي أو لا تدخل، وإذا تأملت النص وجدت أنها لا تدخل لأن الذي يصور صورة فوتوغرافية لا يصور في الواقع. غاية ما هنالك أنه يلقى هذا الضوء الشديد على جسم أمامه فيلتقط صورتَه في لحظة، والمصور لا بد أن يعاني من التصوير ويخطط العين الرأس الأنف والأذن وما أشبه ذلك فلا بد أن يكون منه علم، أما هذا فإنها في لحظة تلتقطها وكأنها تنقل الصورة التي خلقها الله لتجعلها في هذا الكارت. وهذا القول هو الراجح. وعلماء العصر مختلفون في هذا هل يدخل هذا في اللعن والنهي أو لا؟ والصحيح أنه لا يدخل؛ لأنه لا علاج من المرء فيه وليس بمصور، ولو أنه أراد أن يصور لبقي في هذه الصورة مدة ربع ساعة أو أكثر؛ لكن هذا يتم في لحظة ونظيره تماماً أن الإنسان لو كتب رسالة إلى أخيه ثم جاء هذا المكتوب إليه وأدخلها في آلة التصوير وخرجت صورة الرسالة فهل هذا الذي صورها هل هو رسم الكلمات والحروف؟ لا، وإنما الصورة لما فيها من الضوء العظيم حسب صناعتها طَبعة هذا، ولا أحد من الناس يقول: إن هذه الحروف التي انطبعت في هذه الورقة أنها كتابة الذي صدر بالآلة ... أبداً، ولهذا يصور الإنسان هذا في الظلمة، ويصوره الأعمى أيضًا، الأعمى لو علمته صور الكتاب، فمن تأمل النص، وتأمل الحكمة من ذلك عرف أن: المراد من أراد أن يضاهي خلق الله ويبدع في تصويره وتخطيطه وكأنه خالق. هذا الذي يشمله النهي واللعن. أما هذا فهو التقاط صورة فقط.
وكلن يبقى النظر ما هو الغرض الذي من أجله صورت هذه الصورة. يعني إذا فهمنا أنها مباح وأنها لا تكون تصويرًا يبقى أن ننظر فيها كما ننظر في أي مباح من المباحات لأي غرض صنعت؟ أو لأي غرض صورت؛ لأن المباح يختلف حكمه بحسب ما بُصد به، ولهذا لو أراد الإنسان أن يسافر في رمضان من أجل أن يفطر قلنا: حرام عليه مع أن السفر في الأصل مباح حلال. ولو أراد الإنسان أن يشتري بندقية ليقتل بها مسلمًا أو يعتدي على مال مسلم. قلنا: هذا البيع حرام. مع أن البيع في الأصل مباح. فينظر إلى هذا التصوير ماذا يُقصد به، قد يقصد الإنسان بهذا التصوير قصدًا سيئًا، يصور امرأة ليتمتع بالنظر إليها وهي ليست زوجته. كل ما مضى زمن أخرجها من محفظته أو ممن يسمونه الألبوم وجعل ينظر إليها ويتلذذ بذلك وهذا حرام لا إشكال فيه. يصور أمردًا جميلاً من أجل أن يتمتع بالرؤية إليه زمنًا بعد زمن هذا أيضًا حرام. يصور عظماء من الأمراء أو السلاطين أو العلماء من أجل أن يعظمهم، ويعلقهم عنده في البيت تعظيمًا لهم في البيت هذا حرام ولا يجوز. يصور عُبَّادًا قانتين لله من جل أن يجعلهم في بيته تبركًا بهم هذا أيضًا حرام ولا يجوز. يصور للذكرى هذا أيضًا حرام ولا يجوز؛ لأنه إضاعة للوقت وأي فائدة لك أن تذكر هذا المصَور حينًا بعد حين. وأشد من ذلك أن بعض الناس يموت له الميت، وللميت صورة فييبقيها عنده وهذا لا يجوز، إذا مات الميت فأحرق صورته لأجل أن لا تذهب تتذكر هذا الميت كلما أردت أن تتذكره فيتجدد الحزن وربما تعتقد فيه اعتقادًا باطلاً، فبمجرد أن يموت تحرق لا فائدة منها، اللَّهم إلا أن يكون الإنسان يخشى أن يحتاج إليها في إثبات معاشات تقاعد عند الدولة أو ما أشبه ذلك، فهذا يكون معذورًا أما إذا لم يكن هناك سبب فواجب إحراقها.
وأما إذا قُصد في التصوير الفوتوغرافي إذا قصد به إثبات الشخصية أو إثبات وقائع من الواقع لغرض صحيح فهذا لا باس به مثل أن تندب لجنة لعمل ما، ندبتها الحكومة، وأرادوا أن يثبتوا أنهم قاموا بهذا العمل، فصوروا عملهم فلا بأس به؛ لأنه غرض صحيح لمصلحة، وكذلك لو أراد إنسان شهد مشهداً يجب أن الناس يطلعون عليه استعطافًا واستدرارًا لأموالهم كالنظر مثلاً إلى قوم جياع عراة مجروحين من الأعداء وما أشبه ذلك ليعرضهم على الناس ليستعطفهم عليهم هذا أيضًا غرض صحيح لا بأس به. وخلاصة القول: أن التصوير باليد ولو كان بالتلوين والتخطيط حرام على القول الراجح. وأما التصوير بالآلة الفوتوغرافية: فليس بتصوير أصلاً حتى نقول: إنه جائز، ونحن يحب علينا أن نتأمل أولاً بدلالة النص، ثم في الحكم الذي يتقتضيه النص، وإذا تأملنا وجدنا أن هذا ليس بتصوير، ولا يدخل في النهي، ولا في اللعن، ولكن يبقى مباحًا ثم يُنظر في الغرض الذي من أجله يصور إن كان غرضًا مباحًا فالتصوير مباح، وإن كان غرضًا محرمًا فهو محرم. والله الموفق].
المرجع/ زاد المتقين شرح رياض الصالحين لابن عثيمين ـ رحمه الله. (2/760 ـ 762).