لقد كان من وافر نِعَم الله السابغة أن هيَّأ لعباده من فرص العمر ومواسم الخير ما يبلغ بهم إلى هذا المراد، وإن فرصة الصيام وموسم رمضان هما في الطليعة من هذه الفرص والمواسم التي يجب على أولي الألباب اغتنامها، فإن في الصيام مجالًا رحيبًا ومضمارًا واسعًا لإعداد لبنات القوة في مختلف ميادينها ودروبها، فالإمساك بالنهار عن الأكل والشرب والشهوة، وما يصحبه من صبر على رهق الحرمان ومرارة الفقد، وإحياء الليل بالقيام في صبر على نصبه واستدامة على ذلك تنتظم أيام هذا الشهر ولياليَه إلى منتهاها، كل أولئك من أظهر عوامل الدربة على تقوية الإرادة في تغيير هو مطمح أولي الأبصار، ومبتغى الذين أخبتوا إلى ربهم، وابتغوا إليه الوسيلة بكل سبيل، إنه تغيير في المسار، وتصويب في المسلك، فمن ذُلِّ الخطيئة إلى عِز الطاعة، ومن مهابط العجز والكسل إلى ذُرا الجدّ والعزم، ومن أدران العوائد المقبوحة والسنن المنكورة إلى طُهر وطيب العوائد القويمة والسنن الجميلة والخصال الجليلة. وهكذا فإن في الصيام بعْثًا للقوة التي وهنت أو خمدت، والإرادة التي استنامت أو ذوت، والعزيمة التي خارت أو استكانت، لتكون خير عدة يعتدّ بها لبلوغ الدرجات العلا، والظفر بسعادة العاجلة والعقبى في الحياة الدنيا ويوم يقوم الناس لرب العالمين.
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ ٱلصّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} [البقرة:183].
للشيخ: أسامة بن عبد الله خياط-حفظه الله-